الحراك الشعبي ومنطق المخزن

بقلم: 

انفلات شامل صار يقفز إلى العيون من كل مكان في مغرب اليوم، وحيثما كانت الوجهة تصدم بالأعطال والاختلالات، بدءا من طفل الأسرة وتلميذ المدرسة إلى إمام المسجد وموظفي مؤسسات الدولة والمجتمع، إلى ذارعي الشارع العام، وإلى أكبر مسؤول في وزارة… فوضى عارمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المغرب الحديث، فساد مستشري وإفساد يمر تحت التغطية، ليظل المواطن البسيط المغلوب على أمره مثل اليتيم هو المتضرر الوحيد..هذا الانفلات الشامل يتجلى يوميا في كل أرجاء المدينة وفي سلوك المغاربة على اختلاف أعمارهم ومواقعهم الاجتماعية والمهنية والطبقية، فالسائق لا يحترم علامات المرور والمقاول لا يلتزم بدفتر التحملات ورئيس المجلس البلدي قد زور الانتخابات والتلميذ يغش في الامتحان والبوليسي يلفق المحضر، والقاضي يأكل السحت وإمام المنبر بخطب على هواه، والصحافي يفتري والطبيب يمتص الدم… أما النزول إلى الشارع للاحتجاج فهو نتيجة وليس سبب..لهذا يبقى الحراك الشعبي الذي دخل شهره الثامن الشعلة الوحيدة والعلامة الحقيقية القوية والإيجابية في البلد، فهو عظيم مبارك مقدس.

الغريب المثير أن المسؤولين في الأجهزة التشريعية والقضائية والتنفيذية وخدام الدولة (كل واحد من موقعه) قد ألفوا الوضع المنفلت وتطبعوا عليه منذ مدة طويلة، وهم لا يحترقون به طبعا لأنهم من أبراجهم العالية يراقبون ويجسون نبض الشارع ولا يتحركون حتى يطفح الكيل ويبلغ السيل الزبى؛ إذ ما إن يظلوا متفرجين لا يزحزحون ساكنا حتى تجيئهم الأوامر العليا بالتدخل السريع من أجل تدارك الموقف.

حدث ذلك مع التعديلات الدستورية الأخيرة (استجابة لحركة 11 فبراير) وحدث لاستحضار “هيبة” الدولة (ورطة أكديم إيزيك)، ويحدث للتمويه في ملفات الاختلاسات (ميزانية الملف الاستعجالي للتعليم مثلا)، ويحدث الآن لرد الاعتبار (استدعاء سفير..).. حدث ويحدث الشيء الكثير من القضايا الكبرى والصغرى…

لكن ما حدث في الآونة الأخيرة كان أشد وأعظم؛ فتعامل الدولة و”أحزاب الأغلبية الحاكمة” مع الحركة الاحتجاجية لساكنة الحسيمة والنواحي كان فاشلا وزلة خطيرة (تهمة الانفصال لحراك الريف) من قبيل صب الزيت في النار بدل إخمادها، ما كان يؤدي إلى تكرار أحداث 1958، وما تبعه من قمع وعنف واختطاف واعتقال واعتداء على الملك الخاص… كل هذا من أجل إخراس المحتجين السلميين من الرجال والنساء الشيب والشباب، والذين خرجوا وعبروا عن مطالبهم المشروعة في أشكال نضالية قل مثلها في مسؤولية ووعي راق أبهر العالم كله.

لقد كشر “المخزن” عن أنيابه وأسقط رفاق ناصر الزفزافي أوراق التوت عن عورته، فتوارت “الدكاكين السياسية” التي لم يعد يثق في منتخبيها ولا في خطاباتها الإيديولوجية البعيدة عن الواقع أي أحد، وسقطت أقنعة وانفضحت أمور كثيرة، وتحررت أفئدة من سياسات التخويف والتسويف والترغيب والترهيب، فخرجوا وانتفضوا ضد الظلم و”الحكرة”، رافعين شعار: حرية كرامة عدالة اجتماعية.

وبما أن الحراك الشعبي يطالب بإعادة توزيع الثروات الوطنية فإنه يصيب “المخزن” في مقتل. لذلك فهو ـ أي الحراك ـ عظيم مبارك مقدس.

إن منطق “المخزن” الحالي متخلف ولازال على أساليبه البالية، والحراك الريفي قد هز بالفعل أركانه، فإما أن يتكيف مع الوضع الجديد ويتلقف الفرصة الذهبية أو أن يستعد للرحيل بدون رجعة. والمقصود هنا بـ”المخزن”، قبل وبعد أن عراه الحراك الريفي، تلك القوة المبثوثة والسارية في جميع أجهزة الدولة ومؤسساتها الاقتصادية والإيديولوجية والبشرية، والتي تقوم بإعادة إنتاج علاقات الإنتاج نفسها لأجل إدامة الوضع نفسه والحفاظ عليه (أي الوضع الاجتماعي الطبقي الذي يجعل حفنة من الأغنياء جدا هم وحدهم ينهبون ويستفيدون من خيرات الوطن برا وبحرا وجوا).

وهوـ أي “المخزن”ـ يحاول في كل مرة أن يعطي انطباعا بأن كل شيء يتغير، في حين ألا شيء يتغير. لا شيء يتغير، هذه هي الحقيقة التي حسم فيها جل المغاربة. أنظر مثلا لما قام البطل ناصر الزفزافي “بروميثيوس المغربي وسارق النار المقدسة من الإله زيوس”، كما شبهه بحق الأستاذ محمذ بودهن، فأيقظ في “الشعب” قاطبة الوعي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولقنهم الجرأة ثم الشجاعة في المطالبة بالتوزيع العادل لثروات الوطن، وفضح الشطط في استغلال السلطة لاحتكار الثروة. ألم يحرك “المخزن” كل شياطينه للإيقاع به مدة سبعة شهور إلى أن اصطاده إمام خطبة الجمعة؟.

وانظر أيضا ذلك الإعلامي، وذاك الهيني، وذلك الطبيب..وذلك المقاول الحر… كيف يتم إسكاتهم وعقابهم وتهجيرهم. فالمخزن يقبع داخل الدين والإعلام والاقتصاد والقضاء والجيش…حفنة من مالكي وسائل الإنتاج من رأسماليين وأولغارشية وكمبرادور يشتغلون في انسجام تام ويسهرون على أن يكون منطقهم الداخلي بخير يستجيب للدفاع عن قيمهم تلقائيا كلما أحسوا بتهديد خارجي لمصالحهم الحيوية…

“المخزن” على استعداد دائم كي يقدم القشور ليحتفظ بالجوهر؛ لكنه اليوم عبثا يحاول، فتلك النار المقدسة التي استلمها الشباب في كل ربوع المملكة ممن هو الآن وراء القضبان ظلما (من بروميثيوس المغربي)، قد صارت نارا متجددة، وكل مواطن يصر اليوم على انتزاع حقوقه الكاملة والمتكاملة دون تجزيء ولا تبعيض، اقتصادية اجتماعية وثقافية. لذلك فإن مواجهة الانفلات الشامل والفوضى العارمة التي يتخبط فيها الكل لا تكون بالقمع أو الإذلال، بل بإحقاق الحقوق. وإذا تمادى المسؤولون في إدارة ظهورهم إلى الحراك الشعبي واستمروا في سياسة النعامة واستهانوا بحماسة الشباب وسمحوا للمشاغبين القادمين من العاصمة بإثارة الفتنة بين الناس… فإن لذلك تفسيرين: إما أن المخزن لم يستوعب التطور الكبير الذي تحققه وسائل التواصل الاجتماعي من جهة والوضعية المزرية لعموم الشعب على كل المستويات من جهة أخرى، وبالتالي فهو يسيء التقييم، لأن ميزان القوى ليس في صالحه؛ وإما أنه يطبق نظرية “الفوضى الخلاقة” فيعتبر نفسه سيد الموقف ودائم القوة وأنه يراقب الأحداث والتطورات ويتدخل بدقة في أفق صناعة مشهد سياسي ودستوري جديد. ويبدو أن الاحتمال الثاني هو الراجح، فماذا سيفعل مهندس قناطر غير الإشراف على حملات القمع والاعتقال في الريف لو لم يكن مجرد “عبد مأمور”؟.. فهيهات هيهات، أو بالريفية: “بيك يا وليدي”.

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz