تداعيات القرار الملكي بين اعادة انتاج الدولة ورد الاعتبار للشعب وفرض الامتثال للقانون

بقلم: الدكتور أحمد الدردابي

بعد القرار الملكي القاضي بتأديب عدد من المسؤولين الكبار تبين ان النظام الملكي لا ينبني على تأويل ليونة ومرونة الملك وشخصنة العلاقات والثقة الزائدة التي يعتقد البعض انها ضامنة ومؤمنة للمسؤولين من المتابعة، او اعتبار العمل في الدولة هو الدولة نفسها ، او الاعتقاد في ندرة تطبيق مبدا ربط المسؤولية بالمحاسبة اوالاعتماد على شرعية تمثيل المواطنين كتحصين من المحاسبة والارتكان الى اقوال تروجها بعض الشخصيات لاضفاء طابع الاستسلام لواقع الفساد ونشر ثقافته واحتكار تقنياته…

ان النظام السياسي يقوم على المسؤولية القانونية والعمل المؤسساتي في اطار الدولة التي في ظلها تتوزع الحقوق والواجبات المتقابلة بين الحاكمين والمحكومين تجسيدا للمواطنة طبقا للوثيقة الدستورية والتي تجد اساس شرعيتها في مصادقة الشعب عليها بالاستفتاء الدستوري. ونظرا لكون الدولة عاشت في ظل ستة دساتير منذ الاستقلال مرسخة بذلك مبادئ الدولة الحديثة القائمة على ثوابت راسخة لم تقصي أحد م ن اخذ مكانه القانوني داخلها، الا ان الممارسة العملية لأغلب المسؤولين وبسبب حمولة الدولة الكبرى فان بعض المسؤولين يجدون في تشعب العمل المؤسساتي وتعقيد المساطر واستقلالية المؤسسات و سجل العلاقات المختلفة عموديا وافقيا بالاضافة الى ضعف الايمان بالقانون والمصلحة العامة عند البعض وشيوع فكرة لديهم مفادها لاخوف من احد حتى من ملك البلاد واستحالة المتابعة في حق المسؤولين الكبار لكونهم يهددون بجر الدولة الى الهاوية عن طريق التصعيد المختلف الاوجه متناسين بذلك امكانية تفعيل القانون و الانصات لكلمة الشعب …

وتعتبر تجربة الاعفاء للمسؤولين المخلين بمسؤولياتهم صفعة دستورية متضمنة في الفصل 47 من الدستور وهي يقضة في مسار التطور الذي رسمته الدولة ولاسيما دفاتر التحملات الداخلية والدولية بحيث ان الدينامية و الايقاع الذي تسير به المشاريع والقضايا المطروحة لا يواكب التغيير من قبيل المحاور الخمسة التي تضمنها الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الخريفية امام اعضاء مجلسي البرلمان والاكراهات التي تحاكي حياة المواطنين . ومن جهة اخرى فان المشاريع التي دشنها و تبناها الملك بسبب كلفتها الباهضة وعدم قدرة الجماعات الترابية على تحملها لوحدها تحكمها رؤية ملكية وتتبع ملكي مضبوط ولا تحتمل التأخير لانها قائمة على دراسة دقيقة ومرتبطة بمنظومة انتاج داخليا وخارجيا الشيء الذي كشف عن كون هذه المشاريع تعرضت هي الاخرى للتاخير رغم حملها لبصمة الملك وبهذا يكون المسؤولين قد اغفلوا المهام التي انتقصت من اهتمام الملك وملفاته فبالاحرى المشاريع الاقل من تلك التي تحمل التأشير الملكي التي هي من ميزانيات الجماعات الترابية واختصاصها. وهنا تطرح المسؤولية بجدية على كافة المسؤولين السياسيين والاداريين ودون ترك المجال لتكرار مثل هذه القرارات التي وضعت الاصبع على المرض واخرجت المشاكل من خانة التشخيص الى خانة الفعل وتقديم الحلول . ان القيام كل بمسؤوليته وبشكل مضبوط وتفاني يغير مفهوم الدولة وواقعها وحياة المواطنين الى وضع يليق ويستحيب لكل المطالب التي ينادون بها. كما يمكن مواجهة التحديات التي تنتظر المغرب .

فلا ينفع اللعب في الماء العكر او الهروب باية طريقة من الانضباط للثوابت الدستورية . وان الملك هو الضامن لحسن سير المؤسسات والحكم بينها وهو المؤتمن على اسرار الدولة وممثلها الاسمى .

وللاحزاب اليوم بعد هذا الاجراء الملكي فرصة تاريخية لتجديد نفسها وتغيير اسلوب التعاطي مع التنمية واعادة النظر في النخب السياسية لديها والالتزام بالممارسة الاخلاقية تجاه الشان العام . كما ان كل مسؤول يتقلد امانة ادارية كانت او غيرها من المسؤوليات يمكنه الاستفادة من هذا الدرس حتى تتوحد النظرة ويتقوى الوطن ويأخذ مناعة جديدة تكفيه للتحول نحو بناء نموذج تنموي مغربي.

الدكتور احمد درداري رئيس المركز الدولي لرصد الازمات واستشراف السياسات

loading...

اترك تعليقا

  Subscribe  
الأحدث الأقدم الأكثر تقييما
أعلمني عن

المشكل يا أخي ، يكمن في تغول ” شرذمة ” من الانتهازيين في البلاد و هي طبقة من المتنفذين في ” الدولة ” و يتضح ذلك جليا في استحوادهم على معظم المرافق التجارية و الصناعية الكبرى في البلد ، يديرون أمور البلاد وفق مصالحهم الشخصية. … و ما جهل الشعب و فقره و حرمانه من أبسط حقوقه في وطنه في الوقت الذي يترفه هؤلاء في بروجهم العاحية و يتمتعون بثروات بلاد يحطم فيه الفقر أقصى حدوده و النموذج من بوادي الأطلس المهمشة التي تشبه ملاجئ للمتشردين يعانون جميع أنواع الويلات في حين أن ” الشرذمة ” تعيش البذخ و رغد العيش في بلد كله ثروات فوق الأرض و تحت الأرض ، أغنى دول شمال افريقيا من حيث الثروات المعدنية و النفطية ( المخفية ) …. شعب عاش منذ عدة عقود من الزمن على إيقاع مراوغات سياسية خطيرة تدبرها ثلة ممن يستفيد من الإبقاء على هذه الأوضاع المزرية التي يعيشها الشعب المغربي.