هل يخوض المغرب حربا دفاعا عن أمن دول الخليج؟

أنا الخبر ـ اليوم24

في الوقت الذي يتواصل فيه دق طبول الحرب في منطقة الخليج، خصوصا بعد الهجوم الذي تعرضت له العاصمة السعودية الرياض بواسطة صاروخ باليستي مصدره الأراضي اليمنية، ما دفع السعودية إلى توجيه الاتهام رسميا إلى إيران بحجة أن الصاروخ إيراني الصنع، وبينما تدعو دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات والكويت، مواطنيها إلى مغادرة لبنان فورا، ما دفع محللين إلى التكهن باحتمال اندلاع حرب رابعة في المنطقة، تتجه الأنظار مغربيا إلى التساؤل حول دور مغربي محتمل في هذه الحرب المتوقعة، وهل ينخرط المغرب فيها دفاعا عن أمن الخليج ضد إيران وحلفائها، كما فعل في حرب عاصفة الحزم في اليمن، أم يستنكف عن التوغل في الوحل الخليجي، ويتجه إلى خيار الحياد والدعوة إلى التهدئة؟

خيار الحرب وراد جدا

تبدو مؤشرات الحرب أقوى من غيرها في الخليج، فبالإضافة إلى التوتر المتصاعد في العلاقات بين السعودية وإيران، كما تدل على ذلك حادثة الهجوم بالصاروخ الباليستي على العاصمة الرياض، ينبّه فؤاد فرحاوي، أستاذ العلاقات الدولية، إلى الموقف الأمريكي والأوروبي أساسا، فـ«الرئيس الأمريكي ترامب يدفع نحو التصعيد، لأنه لم يعد يطيق التمدد الروسي الإيراني في المنطقة، لكن الأوروبيين لا يؤيدون ذلك، بسبب الأزمة الاقتصادية التي يمرون بها، ولأنه منذ التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران سنة 2015 باتت تربطهم بإيران اتفاقيات اقتصادية ضخمة»، وأضاف فرحاوي: «إذا كان ترامب مع التصعيد ضد إيران، فإن ذلك قد يكون من أجل تجاوز أزماته الداخلية».

في شهر يونيو الماضي، نشرت مجلة الأعمال «فوربس» الأمريكية مقالا بعنوان: «الحرب المقبلة بين السعودية وإيران ستجعل من أصحاب حقول النفط الصخري الأمريكية أغنياء جدا»، يحمل رسالة موجهة من لوبي المال والأعمال إلى الرئيس ترامب، ويفسر كذلك خلفيات الموقف الأمريكي من التصعيد ضد إيران. ترى المجلة أن حربا ضد إيران خيار في صالح الاقتصاد الأمريكي، ومن شأن ذلك أن ينشط حقول النفط الصخري أثناء اشتعال الخليج وإيران بالحرب، خاصة إذا طالت مدتها، ويكرس أمريكا مصدرا أساسيا للنفط، كما أنه قد يسهم في تمويل العجز التجاري. وتزعم المجلة أن الحرب ستفيد السعودية أيضاً، لأن ارتفاع أسعار النفط سيمهد الطريق لخطة جعل أسهم شركة «أرامكو» السعودية متاحة للبيع وبأسعار أفضل.

إقليميا، يشير الاتهام الرسمي السعودي لإيران إلى رغبة في التصعيد، أكدته الإجراءات التي اتخذتها السعودية ضد اليمن التي فرضت عليها حصارا بريا وبحريا وجويا، وأيضا ضد حزب الله في لبنان، الذي سعت إلى عزله سياسيا من خلال الضغط على رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الحريري، للاستقالة بعيدا عن بلاده، ثم دعوة مواطني الخليج إلى مغادرة لبنان، والتلويح بضربات جوية لأهداف هذا الحزب داخل لبنان. وهو خيار إن حصل واستمر زمنيا قد يجر المنطقة إلى الحرب تدريجيا بين جبهتين؛ السعودية ومن ورائها أمريكا، إسرائيل، بريطانيا، باكستان، والإمارات… الخ، وجبهة إيران ومن ورائها روسيا وسوريا وحزب الله وجماعة الحوثي وربما العراق. وهي حرب إن اندلعت ربما تمتد من باكستان إلى لبنان طولا، ومن إيران إلى اليمن عرضا.

احتمال انضمام المغرب إلى الحرب

تقليديا، يشكل المغرب أحد حلفاء دول الخليج العسكريين والأمنيين. وحسب الدراسات التي تناولت هذه العلاقات، فإن التعاون الأمني والعسكري بين المغرب ودول الخليج تطور عبر مرحلتين:

المرحلة الأولى تعود إلى بداية السبعينات، والمعطيات حولها قليلة جدا، لكن المتوفر منها مؤكد، وتمثل في الدعم الأمني والعسكري المغربي من أجل بناء الدول حديثة النشأة، وأساسا الإمارات والبحرين. في تلك المرحلة، نشأت علاقات أساسها دعم توفير المغرب للدعم الأمني والعسكري للأنظمة الملكية في الخليج، مقابل الدعم الاقتصادي والمالي من هذه الدول الغنية بالنفط للمغرب.

وقد تمكن الجنرال، حميدو لعنيكري، من الترقي داخل الإمارات حتى أصبح مستشارا أمنيا وعسكريا للشيخ زايد بن خليفة آل نهيان (توفي سنة 2004)، كما شكلت حرب المغرب من أجل استكمال وحدته الترابية في الصحراء (1976-1991) مرحلة اختبار للعلاقات العسكرية بين الطرفين، حيث وفرت دول الخليج، في كثير من الأحيان، الدعم المالي لشراء السلاح، أو إنجاز بنيات تحتية في المنطقة مثل الحزام الأمني.

وفي المقابل، تعتبر مشاركة المغرب في حرب الخليج سنة 1990 مؤشرا قويا على التزام المغرب بالدفاع عن أمن الخليج، فبعد الاحتلال العراقي للكويت، ثم هجوم القوات الجوية العراقية على السعودية، بعث المغرب كتيبة عسكرية لحماية المنشآت الاستراتيجية السعودية، وأيضا لحماية الحدود السعودية من القوات العراقية، بمعنى أنها كانت قوات دفاعية وليست هجومية.

وقد ارتكزت العلاقات بين المغرب ودول الخليج، خلال تلك المرحلة، على العلاقات الشخصية بين الأسر الحاكمة، وشخصيا بين الملك الحسن الثاني وملوك وأمراء دول الخليج، ومنح البُعد الشخصي شرعية للأبعاد المؤسساتية والقانونية قد تتحسن أو تتراجع حسب مستوى العلاقات الشخصية. ولعل أبرز دليل على ذلك، الفتور الذي أصاب العلاقات بين الإمارات والمغرب بعد وفاة الشيخ زايد سنة 2004، الأمر الذي تطلب سنوات من أجل نسج علاقات شخصية بديلة، تتمثل حاليا في العلاقات بين الملك محمد السادس وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد.

المرحلة الثانية بدأت بعد تولي الملك محمد السادس الحكم، وتحضر فيها العلاقات الشخصية أساسا مع الإمارات، لكنها علاقات قانونية ومؤسسية كذلك، ليس على المستوى الاقتصادي والمالي والاجتماعي فحسب، بل كذلك على المستوى العسكري والأمني، حيث وقع المغرب عددا من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع دول الخليج منذ 2006 حتى الآن.

ففي ماي 2006، وقع المغرب والإمارات اتفاقية تعاون عسكري، وإن كانت لم تنشر في الجريدة الرسمية إلا في 7 أبريل 2016 بمقتضى ظهير شريف مؤرخ في 2 مارس 2016، كما تربط المغرب بالإمارات اتفاقية التعاون في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب، وقعت بالدار البيضاء بتاريخ 17 مارس 2015، وتمت المصادقة عليها بمقتضى قانون رقم 35.15، يبدو أنها لم تنشر في الجريدة الرسمية لحد لآن.

كما تربط المغرب بالسعودية اتفاقية تعاون في المجال العسكري والتقني موقعة بين البلدين في 17 دجنبر 2015، وزعت مسودتها على أعضاء الحكومة بتاريخ 2 مارس 2016، لكن، لا يبدو أنها نشرت في الجريدة الرسمية. أما مع قطر، فقد وقع المغرب اتفاقية للتعاون في المجال الأمني بتاريخ 11 مارس 2014، وصدرت بمقتضى ظهير شريف مؤرخ في 20 ماي 2015، لكن، لم تنشر الاتفاقية كاملة في الجريدة الرسمية. وكذلك الأمر مع البحرين، التي وقع معها المغرب مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الأمني والتنسيق بتاريخ 12 مارس 2014، ولم تصدر في الجريدة الرسمية إلا بتاريخ 6 يونيو 2016 بمقتضى ظهير شريف.

مما يلاحظ على تلك الاتفاقيات التي تتوفر «أخبار اليوم» على بعضها، أنه بالرغم من تباينها في المضمون، حيث إنها قد تشمل مجالات واسعة للتعاون مع الإمارات تمتد من محور السياسة الدفاعية والأمنية إلى الصناعة العسكرية، أو تحصر في مجالات أقل لا ترقى إلى المستوى الاستراتيجي في المجال العسكري، كما هو الحال مع السعودية والبحرين وقطر، فإن المغرب ملزم، بموجب تلك الاتفاقيات، بالإسهام في حماية أمن دول الخليج، لكن بالشكل الذي لا يتعارض مع القانون الدولي.

دور دفاعي فقط

ويبدو أن هذا التوجه الدفاعي في التعاطي المغربي مع التهديدات العسكرية والأمنية الموجهة ضد حلفائه في الخليج، ظل ثابتا في سياسته العسكرية خارج حدوده الترابية. ففي حالة حرب الخليج سنة 1991، والتي شارك فيها تحت غطاء ما يسمى بالشرعية الدولية، ولكن أيضا بموجب اتفاقية تعاون أمني وعسكري وُقعت سنة 1983 وتربطه بالعربية السعودية، يلاحظ أن الدور المغربي اقتصر حينها على حماية التراب السعودي، وكذا مؤسسات الدولة السعودية. ولم تشارك القوات العسكرية المغربية في الهجوم على القوات العراقية داخل التراب العراقي.

في هذا الإطار، يرى فؤاد فرحاوي، المختص في العلاقات العربية التركية، أنه حتى وإن اندلعت حرب جديدة في المنطقة، فإن المغرب «لن يشارك فيها بشكل مباشر، وقد يكتفي بدور أمني وليس عسكريا». ويمضي سعيد الصديقي، أستاذ العلاقات الدولية في الإمارات، في الاتجاه نفسه قائلا: «إذا كان هناك اعتداء مباشر على دول الخليج، فإن المغرب لن يتردد في المشاركة دفاعا عن سيادة دول الخليج وأمنها، لكن، إن كانت الحرب ستتم على أرض دولة أخرى، حينها ستكون الحسابات دقيقة جدا». وأضاف الصديقي قائلا: «بالنظر إلى الاتفاقيات التي تربط المغرب بدول الخليج، فإنه في حال اندلاع حرب مع إيران أو غيرها، فإن المغرب قد يشارك فيها من موقع دفاعي عن مؤسسات وحدود دول الخليج، وليس من موقع المشاركة في الهجوم».

غير أن البعض يحتج بمشاركة المغرب في الحرب على جماعة الحوثي في اليمن، في إطار ما يسمى بـ«عاصفة الحزم»، وهي حالة قد تكشف المدى الذي يمكن أن يمضي فيه المغرب دفاعا عن أمن دول الخليج، لكن فرحاوي يرى أن «المشاركة المغربية في ‘‘عاصفة الحزم’’ باليمن تم خوضها في إطار الشرعية الدولية»، وبالتالي، «هناك مبرر وشرعية قانونية لخوض الحرب في أرض دولة أخرى»، في حين أن شنّ حرب على إيران أو حزب الله، إن حصل، سيكون بالتأكيد دون غطاء شرعي للقانون الدولي بسبب الاعتراض الأوروبي والروسي على تلك الحرب حتى الآن.

اترك تعليقا

أعلمني عن
‫wpDiscuz