المغرب كان بإمكانه تحرير الصحراء لو طعن الجزائر في ظهرها

أنا الخبر ـ الأسبوع الصحافي

جل المغاربة يعرفون جبهة البوليساريو، وحتى الذين لا يعرفونها، فالمؤكد أنهم سمعوا عنها عبر وسائل الإعلام، لكن قليلا من المواطنين فقط هم الذين أتيحت لهم الفرصة ليتعرفوا على القطب الصحراوي إدوارد موحا، مؤسس أول حركة تحرير في الصحراء الغربية، تحت عنوان “الحركة الثورية للرجال الزرق”، المعروفة بـ”الموريهوب”، وذلك سنة 1969.

الجهل بتاريخ وكواليس الصراع في الصحراء، ساهم في تهميش الرجل بدل إنصافه(..)، رغم أن رجال السلطة في الجزائر يعرفون إدوارد موحا جيدا، والدليل على ذلك، هو كتاباتهم، ومنها الكتاب الأخير الذي أصدره محيي الدين عميمور، مستشار ثاني رئيس جزائري، الهواري بومدين، ومستشار الرئيس الشاذلي بن جديد، والذي سبق أن عين وزيرا في عهد بوتفليقة(..)، هذا الأخير اعترف في كتابه، الصادر تحت عنوان “أنا وهو وهم”، بأن ((جبهة البوليساريو حظيت بدعم رئيسي من طرف الرئيس الليبي القذافي، بينما كانت الجزائر تدعم “حركة الرجال الزرق” التي أسسها إدوارد موحا)) (انظر صورة فقرة من الكتاب رفقته).

بوصفه مؤسس أول حركة تحرر في الصحراء، تحت النفوذ الإسباني، يعتبر موحا مؤهلا أكثر من غيره لقراءة تطورات قضية الصحراء، غير أنه اختار الحديث باللغة الفرنسية، عبر الإجابة عن أسئلة تقدمها “الأسبوع” مترجمة بتصرف في هذا العدد.

يقول إدوارد موحا: ((إن إسبانيا “فرانكو” وتحت ضغط باريس، كانت قد أوقفت بشكل أحادي مسار الاستقلال، الذي كان يفترض فيه أن يعيد لنا طرفاية والمناطق المحيطة بها، كما كان يجب مبدئيا أن يؤدي إلى عودة الصحراء الغربية إلى الوطن الأم… لكننا في النهاية، وجدنا أنفسنا أمام تدبير مفوض خلال اتفاق مدريد سنة 1916، الذي أخذت من خلاله إسبانيا، الإشراف على الصحراء الغربية، بدل فرنسا التي لم تستطع استتباب السلم في المنطقة))، كما يؤكد أن تدخل باريس، هو الذي أدى إلى إعادة احتلال الصحراء بعد تحريرها من طرف جيش التحرير سنة 1958، لذلك، فإن رفع السرية عن صفقة فرنسا وإسبانيا يبقى وحده الكفيل بإعادة رسم الحقيقة.

نفس المصدر، قال بأن الولايات المتحدة الأمريكية، سبق أن عبرت عن موقف مساند للقضية الوطنية، غير أنه يؤكد أن المصالح الجيوسياسية، أضعفت قرارات الأمم المتحدة، التي أصيبت بفقدان الذاكرة، حسب إدوارد موحا، الذي يؤكد أن المغرب كان بإمكانه حسم قضية الصحراء لو قبل ((طعن الجزائريين في ظهرهم)) ومقايضة تندوف بإيقاف الدعم عن المقاومة الجزائرية كما طلبت فرنسا ذلك.

 

س: أنت مؤسس ورئيس “موريهوب” (جبهة التحرير والوحدة لتحرير الصحراء، أو حركة الرجال الزرق)، أول حركة تحرر بالصحراء تحت النفوذ الإسباني، وكذلك “الأوزاريو” (حركة السكان الأصليين للمنطقة)، وخبرت الصراع على مدى سنوات طويلة، وتتبعت مختلف مسارات قضية الصحراء، وتعاملت مع كل الأطراف بما فيها الجزائر، ولازالت تتابع المسار الحالي للقضية، ما هي في نظركم طبيعة النزاع؟

ج: إذا كان بلدنا لم يسترجع بعد كل أقاليمه الجنوبية كما كان متفقا عليه بين الأطراف، وموقعا عليه من طرف المستعمر في مرحلة الاستقلال، فإن ذلك راجع إلى كون مصالح هذا الأخير، كانت مهددة على المدى القريب، ذلك التهديد اعتبره المستعمر ذا طبيعة استراتيجية، وأنه حرب مواقع.

ولهذا، فإن إسبانيا “فرانكو” وتحت ضغط باريس، كانت قد أوقفت بشكل أحادي مسار الاستقلال، الذي كان يفترض فيه أن يعيد لنا طرفاية والمناطق المحيطة بها، كما كان يجب مبدئيا أن يؤدي إلى عودة الصحراء الغربية إلى الوطن الأم.

صحيح أن الطرف الفرنسي لم يكن ليحتمل أن تصبح الصحراء بعد استقلالها، قاعدة خلفية لجبهة التحرير الجزائرية، من أجل التحرش والهجوم على المنشآت البترولية والغازية للصحراء، أو ما كان يعرف بـ”الجزائر الفرنسية”، لكن يجب التنويه أنه في هذه الحقبة، كانت باريس قد وضعت بعين المكان، نظاما للحكم الذاتي لصالح شعب “الطوارق”، ويتعلق الأمر بـ”المنظمة الموحدة للمناطق الصحراوية”، وهي مجموعة ترابية وضعت تحت السلطة المباشرة لباريس، وكانت ممثلة ببرلماني ومستشار..

وابتداءا من سنة 1900، أصبح المغرب في قلب سياسة التوازنات الأوروبية، وفي 1912، سيتم اقتسامه بين فرنسا وإسبانيا، مع إبقاء طنجة منطقة دولية، أخذت إسبانيا الشمال واحتفظت فرنسا بالوسط، والصحراء الغربية، وهناك تأكيد لابد منه، وهو عكس ما يظن الرأي العام الدولي، فإن الصحراء الغربية كانت جزءا من المستعمرة المخصصة لفرنسا، بمقتضى “اتفاق الخزيرات”.

في النهاية، وجدنا أنفسنا أمام “تدبير مفوض” من خلال “اتفاق مدريد” سنة 1916، الذي أخذت من خلاله إسبانيا الإشراف على الصحراء الغربية، بدل فرنسا التي لم تستطع استتباب السلم في المنطقة، وهو ما يعني أن مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، مبدأ باطل، على اعتبار أنه لم تكن هناك أبدا حدود بين الشمال والجنوب في هذا البلد، وهو ما يجب على باريس أن تؤكده رسميا عن طريق رئيسها، الذي لا يعتبر فقط صديقا للمغرب، ولكنه أيضا رجل القضايا العادلة، وأنا مقتنع بأن رفع السرية عن هذه “الصفقة”، لا يمكن إلا أن يبدد الخلط ويعيد رسم الحقيقة، سياسيا وقانونيا، وجغرافيا.

س: أنتم تطالبون بالعودة إلى أصل المشكلة، ما يعني العودة عقودا طويلة إلى الوراء؟

ج: بالعودة إلى عملية “إيكو فيون” وتورط باريس رغما عنها في إعادة استعمار الصحراء من طرف إسبانيا، بعد أن كان جيش التحرير قد حررها في سنة 1958، ودفع بقوات فرانكو إلى مدينة الداخلة حيث بقيت منطوية على نفسها في انتظار ترحيلها إلى جزر الكناري، وهو ما أغضب فرنسا التي سارعت إلى نجدة قوات فرانكو، من خلال الإشراف العسكري على العملية التي حملت اسم “إيكو فيون”، وقد كان تدخل باريس هو ما أدى إلى إعادة استعمار الصحراء عبر إعادة نشر قوات الاحتلال، ولنلاحظ هنا أن فرنسا، وللمرة الثانية، تضع إسبانيا في الصحراء الغربية، وهو ما جعل إسبانيا تدعمها عسكريا في الجزائر.

بالفعل، جزائر بومدين مع بوتفليقة كوزير للخارجية، ستقفز بدورها على القرار 1514 المتعلق باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، بمعنى آخر، أن الجزائر كانت من خلال هذا القرار الأممي، تقطع الطريق أمام البلدان المجاورة، ضحية الاقتطاع من أراضيها لصالح الجزائر الفرنسية، ويتعلق الأمر بكل من المغرب وموريتانيا ومالي والنيجر وتونس، التي كان الاستعمار الفرنسي قد قام بتقطيعها، وهي مجموعة من المناطق التي اختارها الاستعمار الفرنسي بسبب ثرواتها المعدنية التي كانت شعوبها قد بدأت في المطالبة بها عند الاستقلال.

عندما رفض المغرب طعن الجزائر في ظهرها.. وضاعت الصحراء

س: إذن، الإدارة الاستعمارية كانت تريد الدفاع عن مصالح محددة في المنطقة، حتى وإن تعلق الأمر بزرع قنابل موقوتة؟

ج: بالفعل فرنسا، التي كانت قد بدأت باستغلال آبار النفط المكتشفة في الصحراء الجزائرية، وتجاربها المتعلقة بالأبحاث النووية في منطقة “ريغان”، ولم تكن تنظر بعين الرضى لدعم بلدنا الذي لم يكن يخفي تعاطفه مع الشعب الجزائري في معركته من أجل الاستقلال، وهنا يعطينا التاريخ فرصة لإجراء بعض المقارنات البعدية التي تساعد في فهم تعقيدات هذا الملف، وقد كان من الواضح، أن المغرب كان بإمكانه استكمال وحدته الترابية، لو كان قد قبل بالشروط التي أملتها عليه باريس والمتعلقة بتعليق مساهمتنا في أي دعم مادي أو عسكري أو لوجيستيكي أو معنوي لجبهة التحرير الجزائرية، وهو ما كانت باريس مستعدة لمقايضته من خلال التنازل عن تنذوف والمناطق التي كانت قد ألحقتها بالجزائر “الفرنسية”، كما كانت فرنسا تتعهد بالضغط على الجنرال فرانكو لدفعه للتنازل عن الصحراء الغربية، وهو اقتراح رفضه بلدنا الذي لم يكن يريد التورط في تجاذبات “غامضة”، كما كان إخواننا الجزائريون سيبعتبرونها طعنة في الظهر.

المصالح الجيوسياسية أضعفت قرارات الأمم المتحدة

س: الملف اليوم غير واضح بسبب تداخل المصالح الجيوستراتيجية والتأويل، الغير ملائم لقرارات الأمم المتحدة من طرف أعداء الوحدة الترابية، رغم أن الولايات المتحدة تدعم الحل السياسي؟

ج: لقد مضى زمن كانت فيه الولايات المتحدة من بين دول أخرى، من الأوفياء لمصالح المملكة، وأظن أنه من الجيد مثلا فيما يتعلق باستعمار المغرب وتفويض الصحراء من طرف فرنسا لإسبانيا، أنه خلال مؤتمر “الخزيرات” بين 1912 و1916، كانت الحكومة الأمريكية قد تبنت موقفا واضحا وصريحا فيما يتعلق ببلدنا ودعمته رسميا ضد تفتيت التراب الوطني، وسنظل نتذكر ذلك دائما، ولكن فرانكو من جهته، انتقل سنة 1972، من مجرد مستعمر للصحراء إلى إلحاقها بشكل مباشر بإسبانيا، وهو ما أدى في نفس السنة إلى منح الصحراء نفس الوضع الذي كانت عليه جزر الكناري، وقد ظهر بهذا الخصوص لبس لدى كل الذين كانوا يدعمون حق المغرب الغير قابل للمساومة على أرضه، وقاموا بغض الطرف عن سلوك فرانكو، لأن مصالح بعضهم مع الجزائر، كانت قد تعززت على غرار ما كانت لديهم مع فرانكو، كما أنه كلما ظهرت مصالح ذات طابع سياسي أو جيوسياسي، فإن أثر قرارات الأمم المتحدة تضعف تاركة المكان للعقود المجزية على حساب العدالة والمنطق، مما دفعهم إلى إصدار مواقف دون دراسة متأنية ودقيقة لملف الصحراء.

الأمم المتحدة إذن، كجهة أساسية معنية بقضية الصحراء، لم يكن عليها أن تكون فاقدة للذاكرة بهذا الخصوص، على اعتبار أن الصحراويين لن يقبلوا أبدا أن يكونوا تحت وصاية الجزائر عن طريق البوليساريو، هذه الحركة التي خططت مسبقا لمسلسل اندماج مع الجزائر..

بوتفليقة ومحاولة تحويل الصحراء إلى قبرص جديدة

– س: ولكن الجزائر ترفض الإقرار وتحمل مسسؤولية خلق جبهة البوليساريو؟

– ج: لا يجب أن نكون مغفلين، فالجزائر بالفعل هي من خلقت البوليساريو والرئيس بوتفليقة كان يريد من خلال المخطط الرابع الذي قام بصياغته كل من كوفي عنان وبيكر، خلق قبرص سياسية في الخلاء، يتلوها اقتسام للسكان على طريقة حائط برلين، ومن خلال هذا المخطط، يأمل الرئيس بوتفليقة أن يقوم الجنوب بابتلاع الشمال.

وفي الحالة المعاكسة، فإن هذه الثغرة ستسمح للجزائر بالتسلل، والتوحد مع قراصنتها (البوليساريو) لإضفاء الشرعية على مواقفها وتورطها في الصراع..

– س: هذا ما يفسر حسب رأيكم إصرار الجزائر على إحياء مقترح “استفتاء تقرير المصير” السابق الذي اعتبره الجميع غير قابل للتطبيق وتم إقباره؟

– ج: فيما يتعلق بالاستفتاء كما كان يراه كوفي عنان، نلاحظ باندهاش، تراجعا سافرا بالمقارنة مع الأرقام السابقة التي اعترف بها الأمين العام السابق، بيريز دكويلار، سنة 1989، وهي نفس الأرقام التي اعتمد عليها بطرس غالي، الأمين العام للأمم المتحدة الموالي.

ويتعلق الأمر بإفساح المجال لنوع من أنواع “الكوطا” على شكل مقاربة إقصائية، ومكيافيلية، أدت إلى نقص العدد من مليونين إلى 140 ألف مصوت مقبول في الاستفتاء، وهو ما يثير الاحتمال بأن جيمس بيكر وكوفي عنان، كانا بصدد صنع شعب وهمي، يستجيب لسيناريو محدد يقصي بشكل اعتباطي الغالبية الساحقة المكونة من الصحراويين الأصليين المتواجدين في المناطق الداخلية للوطن الأم، المغرب، من عملية التصويت.

هؤلاء الصحراويين الأصليين الذين كانوا قد غادورا الصحراء هربا من السياسة الاستعمارية والقمع العسكري الإسباني، كما أرغموا على الهجرة بسبب مآسي طبيعية مثل توالي فترات الجفاف والأمراض، وكل هؤلاء أنكر عليهم كوفي عنان حقهم في التعبير عن طريق التصويت، ولم يحتفظ بأولئك الذين أحصتهم إسبانيا فرانكو على سبيل ضمان “إسبانية” الصحراء، التي قررها فرانكو سنة 1972، أي إقصاء ما يناهز 90 في المائة من الصحراويين من هذه الاستشارة.

عشرون سنة بعد موت فرانكو، قام جيمس بيكر وكوفي عنان بإعادة تطبيق نفس نظرية الدكتاتور السابق.

س: ماهو البديل في نظركم؟

ج: بالنسبة لكل مغربي بشكل عام، وكل صحراوي بشكل خاص، فإن الأمر يتعلق باقتراح جلالة الملك محمد السادس، القاضي بإعادة تركيب الشجرة الجنيالوجية لشجرة الصحراء، بما يمكن كل المنحدرين (لهم أجداد) من الصحراء الغربية من المشاركة في تحقيق هذا المخطط.

في النهاية، فإن الأمر يتعلق بالعودة إلى المواقف الأصلية، حيث يستطيع كل واحد استرجاع كرامته وشرفه، من أجل توحيد تام ونهائي للوطن الأم المغرب، على اعتبار أن المغربي، هو الوحيد الذي يعرف مصلحته، وخصوصا حين تكون تلك الحقوق منسجمة مع القانون الدولي، وبالنتيجة وأمام هذا المنطق، لا يمكننا التنازل عن أي شيء، خصوصا حين يكون هؤلاء الذين يريدون إعطاءنا الدروس، ينتجون خطابا مزدوجا.. إن السلام والحكمة لا يمكن أن ينسجما مع العبثية والتناقض.

  Subscribe  
أعلمني عن