شهدت بداية عام 2026 تحولاً جذرياً في الخارطة الجوية ل”المغرب”، حيث لم تكن الأمطار الغزيرة التي تهاطلت مع نهاية السنة ومطلع السنة الجديدة، مجرد زخات عابرة، بل كانت إعلاناً رسمياً عن كسر دورة جفاف قاسية استمرت لسبع سنوات متواصلة. هذا التحول تقوده حالياً عاصفة أطلسية نشطة أُطلق عليها اسم “فرانسيس”، وهي منظومة جوية معقدة وضعت المصالح الرصدية والجهات المختصة في حالة استنفار قصوى.
منشأ “فرانسيس”: صراع الكتل القطبية والمدارية
توضح المديرية العامة للأرصاد الجوية أن العاصفة “فرانسيس” نشأت نتيجة تفاعل ديناميكي قوي فوق شمال المحيط الأطلسي بين كتل هوائية باردة قادمة من العروض العليا وكتل دافئة ورطبة من الأقاليم المدارية. هذا التلاقي أدى إلى تشكل منخفض جوي عميق يتميز بتدرج حاد في الضغط الجوي، ما يفسر قوة الرياح وغزارة الأمطار التي تشهدها البلاد حالياً.
ومن الناحية العلمية، يربط الأستاذ محمد سعيد كروك، خبير المناخ، هذه العاصفة بظاهرة “القطرات الباردة” المنفصلة عن الهواء القطبي، والتي تعززت بكتلة هوائية سيبيرية باردة. وعند دخول هذه الكتلة إلى المجال الأطلسي الأكثر دفئاً ورطوبة، تولدت اضطرابات جوية عنيفة شملت في مسارها جزر الأزور والكناري وصولاً إلى المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية.
استنفار رسمي بالمغرب: تعليق للدراسة وتحذيرات حمراء
لم تتوقف تداعيات العاصفة “فرانسيس” عند الجانب المناخي فحسب، بل امتدت لتشمل تدابير احترازية استثنائية؛ حيث دفعت الاضطرابات الجوية القوية السلطات في عدة أقاليم إلى اتخاذ قرار بتعليق الدراسة حفاظاً على سلامة التلاميذ والأطر التربوية.
وتأتي هذه الخطوة في ظل صدور نشرات إنذارية من المستوى الأحمر، تتوقع مقادير مطرية استثنائية تتراوح ما بين 80 و120 ملم طيلة يوم السبت، خاصة في أقاليم أكادير إداوتنان، تارودانت، والصويرة.
من جهتها، رفعت وزارة الداخلية درجة اليقظة إلى أقصى مستوياتها، داعية المواطنين في بلاغ رسمي إلى توخي أقصى درجات الحيطة وعدم المجازفة بعبور المقاطع الطرقية أو الأودية المهددة بالفيضانات المفاجئة.
وتتزامن هذه التحذيرات مع تسجيل رياح عاتية من مستوى “برتقالي” وصلت سرعتها إلى 105 كيلومتر في الساعة في مناطق الحوز، شيشاوة، الجديدة، وسيدي بنور، مما تسبب في اضطرابات ملحوظة في حركة السير.
خارطة التأثر: من السواحل إلى القمم الثلجية
تتوزع قوة العاصفة “فرانسيس” جغرافياً لتشمل معظم مناطق المغرب، مع تركيز خاص على السواحل والسهول الأطلسية الشمالية والوسطى، ومرتفعات الأطلس. وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار الأجواء غير المستقرة وفق الجدول الزمني التالي:
- السبت 3 يناير: ذروة عدم الاستقرار مع أمطار قوية وزخات رعدية في سوس وعبدة وشياظمة، وتساقطات ثلجية على المرتفعات التي تتجاوز 1800 متر.
- الأحد 4 يناير: استمرار الزخات الرعدية القوية في الريف ومرتفعات الأطلس وسوس وكلميم، مع رياح قوية وانخفاض ملموس في الحرارة.
- الاثنين والثلاثاء: بقاء الطقس ممطراً في النصف الشمالي وشمال الأقاليم الصحراوية، قبل بدء الاستقرار التدريجي يوم الأربعاء.
“النينيا” والتغير المناخي: هل نعيش واقعاً جديداً؟
يرى الخبراء أن “فرانسيس” ليست حدثاً معزولاً، بل هي جزء من دورة مناخية أوسع تتأثر بظاهرة “النينيا” في المحيط الهادئ. هذه الظاهرة تضعف مرتفع “الأزوري” وتخلق تذبذباً سلبياً في شمال الأطلسي، مما يسمح بمرور المنخفضات القوية نحو المغرب.
إلا أن الأخطر في الأمر، حسب الباحث البيئي عمر زيدي في تصريح خص به موقع “يا بلادي”، هو دخول المغرب مرحلة “الظواهر المتطرفة”. فالأمطار التي كانت تتوزع على أشهر، أصبحت تتهاطل بغزارة قياسية في وقت وجيز، مما يسبب فيضانات مفاجئة في أودية جفت لسنوات، كما حدث مؤخراً في آسفي وطاطا وورزازات.
وفرة مائية وتحديات استراتيجية
رغم المخاطر التي تحملها عاصفة “فرانسيس” من رياح عاتية وفيضانات محتملة، إلا أنها تظل “ضرورة حيوية” لإنعاش الموارد المائية وملء السدود التي وصلت لمستويات حرجة في السنوات الماضية.
هذا الإيقاع المتناوب بين الجفاف الحاد والفيضانات الغزيرة يفرض، حسب المتخصصين، ضرورة إعادة تكييف السياسات العمومية والمحلية لمواجهة تحديات “النقطة الساخنة” التي أصبح يمثلها حوض المتوسط في خارطة التغير المناخي العالمي.

التعاليق (0)