الصحراء المغربية تقلب موازين السياسة الإفريقية.. وجنوب أفريقيا أول المراجعين

علمي المغرب وجنوب أفريقيا بخلفية الصحراء المغربية مختارات علمي المغرب وجنوب أفريقيا بخلفية الصحراء المغربية

في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية داخل القارة الإفريقية، لم يعد موقف جنوب أفريقيا من قضية الصحراء المغربية ثابتاً كما كان لسنوات. النقاش الذي انتقل من الكواليس الدبلوماسية إلى صفحات الصحف الكبرى في بريتوريا يعكس أن صناع القرار هناك باتوا يعيدون تقييم كلفة الاستمرار في خطاب المواجهة مع المغرب، مقابل مكاسب محتملة من نهج أكثر براغماتية. مؤشرات هذا التحول توحي بأن الواقعية السياسية بدأت تزاحم الإيديولوجيا داخل دوائر القرار الجنوب أفريقية.

نقاش علني داخل الإعلام الجنوب أفريقي

اللافت أن المراجعات لم تعد مجرد تسريبات أو قراءات خارجية، بل أصبحت موضوعاً صريحاً في الإعلام المحلي. صحيفة The Sunday Independent نشرت تحليلاً للكاتب آبي ماكوي تناول فيه العزلة المتزايدة التي قد تواجهها جنوب أفريقيا إذا استمرت في تبني مواقف تصادمية لا تنسجم مع التوازنات الدولية الجديدة. هذا الطرح يعكس تحوّلاً في المزاج السياسي، حيث لم يعد الدفاع عن الأطروحات القديمة يحظى بالإجماع ذاته.

نهاية مرحلة “العزل الدبلوماسي”

التقدير السائد داخل الأوساط التحليلية في بريتوريا أن استمرار الاصطفاف ضد المصالح المغربية يضع البلاد في مواجهة غير ضرورية مع قوى دولية كبرى باتت تميل صراحة إلى دعم سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. ومع توسع شبكة الشراكات الاقتصادية للمغرب في إفريقيا وأوروبا وأمريكا، تبدو كلفة العزلة أكبر من أي مكسب رمزي محتمل. من هنا بدأ منطق “إعادة التموضع” يفرض نفسه كخيار عقلاني.

قرارات الأمم المتحدة ومنطق الواقعية

التطورات داخل الأمم المتحدة، وخاصة لغة مجلس الأمن في القرارات الأخيرة، عززت هذا الاتجاه. الخطاب الأممي أصبح أكثر وضوحاً في اعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الواقعي للحل، ما يجعل التشبث بخيارات أخرى أقرب إلى العزلة الدبلوماسية. بالنسبة لصناع القرار في بريتوريا، فإن السباحة عكس التيار الدولي لم تعد استراتيجية مجدية.

المصالح الاستراتيجية تتقدم على الإيديولوجيا

جنوب أفريقيا تسعى إلى توسيع نفوذها القاري وتعزيز حضورها داخل المؤسسات الدولية، بما في ذلك طموحها للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن. غير أن تحقيق هذا الهدف يمر عبر نسج تحالفات إفريقية قوية، وعلى رأسها العلاقة مع المغرب الذي تحول إلى فاعل اقتصادي واستثماري محوري في غرب ووسط إفريقيا. من هذا المنظور، يصبح التعاون مع الرباط خياراً استراتيجياً لا مجرد تنازل سياسي.

تصدع خطاب المواجهة داخل مؤسسات القرار

التقييم الداخلي لأداء وزارة الخارجية الجنوب أفريقية يشير إلى تراجع فعاليتها في التأثير على موازين القوى داخل القارة، مقابل صعود دول تعتمد خطاب التنمية والشراكات الاقتصادية. النموذج المغربي، القائم على مشاريع بنية تحتية ومبادرات أطلسية وتكامل اقتصادي، يفرض نفسه كبديل عملي عن الشعارات الثورية التقليدية، وهو ما يدفع بعض النخب في بريتوريا إلى الدعوة لتحديث المقاربة.

قراءة في الدلالات بالنسبة للمغرب

بالنسبة للقارئ المغربي، ما يجري ليس مجرد تحوّل في خطاب دولة بعيدة جغرافياً، بل مؤشر على نجاح الدبلوماسية المغربية في تحويل ملف الصحراء المغربية من قضية سياسية صِرفة إلى ملف تنموي واستراتيجي. حين تصبح المصالح الاقتصادية والأمنية هي لغة النقاش، تميل الكفة تلقائياً نحو من يملك مشاريع واقعية وشراكات ملموسة.

المشهد في بريتوريا يعكس لحظة مراجعة عميقة: إما الاستمرار في إرث سياسي لم يعد يواكب موازين القوى، أو الانخراط في منطق التعاون الإقليمي الذي يقوده المغرب داخل إفريقيا. المؤشرات الحالية توحي بأن الواقعية بدأت تتقدم، وأن زمن الشعارات يتراجع. وفي السياسة الدولية، من يتأخر عن قراءة التحولات يدفع الثمن.

  • تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً