ارتفعت أسعار الذهب عالميًا إلى مستويات قياسية جديدة تجاوزت 4800 دولار للأوقية، في قفزة غير مسبوقة تستند إلى تزايد الطلب على الملاذات الآمنة مع استمرار التوترات الجيوسياسية وضعف أداء الدولار الأمريكي.
هذا الارتفاع، الذي يتزامن مع مستويات مرتفعة أخرى في الفضة والبلاتين، لا يؤثر فقط في الأسواق الدولية، بل ينعكس بقوة على السوق المغربية، مع تبعات واضحة على القدرة الشرائية للمستهلكين وعلى دينامية قطاع الحلي والمجوهرات.
صعود عالمي تحركه المخاوف لا المؤشرات التقليدية
الطفرة التي يشهدها الذهب عالميًا لا ترتبط فقط بعوامل العرض والطلب الكلاسيكية، بل تتغذى أساسًا من مناخ سياسي دولي متوتر، يدفع المستثمرين والدول إلى البحث عن أدوات تحوط مستقرة. هذا التوجه عززته سياسات بنوك مركزية كبرى، اختارت رفع حيازتها من الذهب تحسبًا لتقلبات أوسع في النظام المالي العالمي.
السوق المغربية… حين يصطدم السعر بالقدرة الشرائية
داخل المغرب، ينعكس هذا الارتفاع بصورة مختلفة. فمهنيون في قطاع الحلي والمجوهرات يرصدون تحولا واضحًا في سلوك الأسر، التي باتت تؤجل أو تتخلى كليًا عن اقتناء الذهب، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير سلم الأولويات.
ويرى فاعلون مهنيون أن الذهب، الذي كان يُعتبر في السابق مخزون قيمة في متناول شرائح واسعة، أصبح اليوم خارج حسابات جزء كبير من الأسر، بعدما اقترب سعر الغرام من مستويات غير مسبوقة محليًا، ما قلّص دائرة الزبائن بشكل لافت.
ركود في الأسواق وضغط غير مسبوق على الحرفيين
هذا التراجع في الطلب لم يمر دون أثر على النشاط التجاري. فأسواق الحلي تعرف، بحسب مهنيين، فتورًا غير معتاد، انعكس في ضعف حركة البيع والشراء، وحتى في تراجع الإقبال الاستكشافي الذي كان يميز هذه الفضاءات.
الحرفيون بدورهم يواجهون ضغطًا مزدوجًا: ارتفاع كلفة المادة الخام من جهة، وتضخم الخسائر المرتبطة بعملية التصنيع من جهة أخرى. فكل غرام ضائع خلال العمل لم يعد هامشًا بسيطًا يمكن امتصاصه، بل أصبح كلفة مباشرة تثقل ميزانية الصانع وتحد من قدرته على الاستمرار بنفس الوتيرة.
اختلالات هيكلية تزيد من حدة الأزمة
ويجمع مهنيون على أن أحد أبرز الإشكالات التي تفاقم الوضع يتمثل في غياب إطار منظم يتيح اقتناء الذهب الخام بشكل مباشر وشفاف داخل السوق الوطنية. هذا الغياب يخلق فجوة سعرية بين المرجعية الدولية والسوق المحلية، ويجعل المهنيين أكثر عرضة لتقلبات خارجية لا يملكون أدوات التحكم فيها.
هذا الواقع يطرح، من وجهة نظر الفاعلين، إشكال التنافسية والاستدامة في قطاع يعتمد على التوازن الدقيق بين السعر، الجودة، والطلب.
إلى أين تتجه الأسعار؟ وما الخيارات المتاحة؟
رغم صعوبة التنبؤ بمسار الأسعار في ظل المعطيات الدولية الحالية، فإن أغلب القراءات المهنية تميل إلى استبعاد عودة قريبة للأسعار المنخفضة. فالذهب، تاريخيًا، يعرف فترات هدوء مؤقتة، لكنها غالبًا ما تكون محطات قبل موجات صعود جديدة.
بالنسبة للمغرب، يظل الرهان مطروحًا حول كيفية مواكبة هذه التحولات، عبر حلول تنظيمية وهيكلية تحمي الحرفي، وتُخفف من وطأة التقلبات العالمية على سوق محلية ذات خصوصية اجتماعية واقتصادية.
ارتفاع أسعار الذهب ليس مجرد خبر مالي، بل مؤشر على تحولات أعمق تمس توازنات السوق المغربية. وبين منطق عالمي تحكمه المخاوف، وواقع محلي تحكمه القدرة الشرائية، يبقى التحدي هو الحفاظ على قطاع تقليدي عريق دون عزله عن دينامية الاقتصاد الدولي.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)