تحركات دولية نحو خزانات “لاسامير”… هل تقود الخطوة إلى خفض أسعار المحروقات في المغرب؟

تحركات دولية نحو خزانات "لاسامير" مختارات تحركات دولية نحو خزانات "لاسامير"

في وقت ما تزال فيه أزمة لاسامير ترخي بثقلها على المشهد الصناعي بمدينة المحمدية، تتصاعد في كواليس قطاع الطاقة مؤشرات على تحركات توصف بالاستراتيجية تقودها إحدى كبريات مجموعات توزيع المحروقات عالمياً.

هذه التحركات لا تستهدف إعادة تشغيل التكرير، بل تتجه نحو استغلال قدرات التخزين الضخمة للمصفاة، في خطوة قد تعيد رسم ملامح التوازن داخل السوق الوطنية للمحروقات، وتفتح في الوقت نفسه نقاشاً واسعاً حول انعكاساتها المحتملة على أسعار الوقود.

التخزين بدل التكرير… تحول في زاوية الاستثمار

وفق معطيات متقاطعة تستند إلى مصادر مطلعة داخل قطاع الطاقة، فإن مجموعة دولية مقرها أوروبا دخلت مراحل متقدمة من إعداد ملف قانوني يتيح لها كراء جزء مهم من السعات التخزينية التابعة للمصفاة المتوقفة. ويستند هذا التوجه، حسب المعطيات ذاتها، إلى أحكام قضائية سابقة فتحت الباب أمام استغلال بعض منشآت المصفاة في إطار مسطرة التصفية، دون الحاجة إلى إعادة تشغيل وحدات التكرير نفسها.

هذه الخطوة، في قراءتها التقنية، لا تبدو مجرد صفقة تجارية عادية، بل تعكس تحوّلاً في فلسفة الاستثمار داخل قطاع المحروقات بالمغرب. فبدل ضخ استثمارات ضخمة لإعادة تشغيل وحدات صناعية معقدة، تسعى المجموعة المعنية إلى بناء شبكة لوجستية قوية قادرة على تأمين تدفق الإمدادات واستقرارها، خصوصاً في ظل تقلبات الأسواق الدولية وارتفاع الطلب على مادة الغازوال التي تشكل العمود الفقري لقطاع النقل والأنشطة الاقتصادية.

مصفاة لاسامير… كنز لوجستي ينتظر الاستغلال

الأرقام المتداولة داخل القطاع تكشف حجم الإمكانات غير المستغلة داخل مصفاة “لاسامير”. فمستوى استغلال الخزانات لا يتجاوز حالياً 4% فقط، ما يعني أن طاقة تخزينية ضخمة تقدر بحوالي مليوني متر مكعب ما تزال خارج دائرة الاستغلال. هذا الرقم، في نظر خبراء اللوجستيك الطاقي، يمثل فرصة نادرة للفاعلين الكبار الراغبين في تعزيز أمنهم الطاقي داخل السوق المغربية.

ومن الناحية العملية، يمنح توفر سعات تخزينية بهذا الحجم قدرة أكبر على امتصاص صدمات السوق الدولية، سواء تعلق الأمر باضطرابات الإمدادات أو ارتفاعات مفاجئة في الأسعار. كما يسمح بتكوين مخزون احتياطي مريح، وهو عنصر حاسم في أسواق تعتمد بشكل كبير على الاستيراد مثل السوق المغربية، حيث يصبح التخزين أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن التكرير نفسه.

هل يمكن أن تنخفض أسعار المحروقات فعلاً؟

رغم أن خطوة كراء خزانات لاسامير قد تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بإمكانية خفض أسعار المحروقات، فإن الواقع الاقتصادي يشير إلى أن التأثير لن يكون مباشراً أو سريعاً كما قد يتوقع البعض. فتعزيز قدرات التخزين داخل منشآت كبرى بمدينة المحمدية يمنح الشركات مرونة أكبر في تدبير مخزونها، إذ يسمح لها باستيراد كميات كبيرة في الفترات التي تعرف انخفاضاً في الأسعار الدولية، والاحتفاظ بها لاستخدامها لاحقاً عند ارتفاع الأسعار.

لكن في المقابل، تبقى أسعار المحروقات في المغرب مرتبطة أساساً بتقلبات السوق العالمية، وتكاليف النقل والتأمين، إضافة إلى الضرائب وهوامش التوزيع، ما يعني أن توفر خزانات إضافية وحده لا يكفي لخفض الأسعار بشكل دائم. ومع ذلك، يرى بعض المتابعين أن الفائدة الأهم لهذه الخطوة قد تظهر في تقليل حدة التقلبات المفاجئة، وضمان توفر المخزون الوطني في ظروف مستقرة، وهو ما قد يساهم على المدى المتوسط في الحد من الارتفاعات الحادة، حتى وإن لم يؤدِ مباشرة إلى انخفاض ملموس في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك المغربي.

بين إنعاش مالي فوري ومخاوف على المستقبل الصناعي

رغم ما قد تحمله هذه الخطوة من آثار مالية إيجابية على وضعية المصفاة المتعثرة، خاصة عبر ضخ مداخيل جديدة من كراء الخزانات، فإنها تطرح في المقابل أسئلة عميقة حول مستقبل السيادة الصناعية في قطاع استراتيجي مثل المحروقات.

ففي الأوساط المهنية، يُنظر إلى خيار كراء الخزانات باعتباره حلاً عملياً لضمان توفر مخزون استراتيجي وتعزيز مرونة السوق، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف من أن يتحول هذا المسار إلى خيار دائم يُبعد فكرة إعادة تشغيل التكرير. وإذا ما ترسخ هذا السيناريو، فقد تجد المصفاة نفسها تتحول تدريجياً من ركيزة صناعية تاريخية إلى مجرد منصة لوجستية ضخمة تخدم تدفقات الوقود المستورد، بدل أن تستعيد دورها الصناعي الذي لعبته لعقود داخل النسيج الاقتصادي الوطني.

مستقبل سامير بين الواقعية الاقتصادية والطموح الصناعي

القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بعقد كراء أو استغلال خزانات، بل تمس رؤية المغرب لمستقبل قطاع الطاقة برمته. فالمعادلة المطروحة اليوم تبدو دقيقة: من جهة، هناك حاجة واقعية إلى حلول سريعة لتدبير المخزون وضمان استقرار السوق، ومن جهة أخرى، يظل حلم استعادة نشاط التكرير قائماً باعتباره رافعة صناعية ذات أبعاد استراتيجية واقتصادية.

وبين هذين الخيارين، تقف لاسامير عند مفترق طرق حاسم، حيث قد تحدد القرارات القادمة ما إذا كانت المصفاة ستستعيد دورها كمحرك صناعي وطني، أم ستدخل مرحلة جديدة كمنشأة لوجستية تخدم أساساً دينامية الاستيراد بدل الإنتاج، وهو سيناريو ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على الأمن الطاقي والأسعار في المغرب.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً