تشير المعطيات إلى أن المغرب يتوفر على حوالي 32.8 مليون رأس من الغنم والماعز، في حين أن الطلب خلال عيد الأضحى لا يتجاوز 6 ملايين رأس. هذه الأرقام توحي بوضوح أن العرض كافٍ، بل يفوق الحاجة بكثير، ما يعني أن السوق من المفترض أن يكون مستقرًا من حيث الأسعار.
غير أن الواقع مختلف، إذ يلاحظ استمرار مستويات مرتفعة في بعض الأثمان، وهو ما يعكس أن السوق لا تحكمه فقط قاعدة العرض والطلب، بل تدخل فيه عوامل أخرى مرتبطة بسلوك المستهلك وتوقعاته.
مفارقة الأسعار.. حين يتغلب “الحولي” على المنطق
من أبرز ما يثير الانتباه هذا الموسم، هو ارتفاع أسعار الأضاحي التي لا يتجاوز عمرها سنة واحدة، مقابل انخفاض نسبي في أثمان الأغنام التي يفوق عمرها سنتين. هذه المفارقة تبدو غير منطقية، لأن تكلفة تربية الخروف الأكبر سنًا تكون عادة أعلى.
هذا الوضع يوضح أن جزءًا كبيرًا من الطلب موجه بعوامل اجتماعية وثقافية، حيث يفضل عدد من المغاربة “الحولي”، حتى وإن كان ذلك على حساب السعر، وهو ما يمنح بعض البائعين هامشًا لرفع الأثمان دون مبرر اقتصادي واضح.
تأثير السنة الماضية.. ضغط نفسي يرفع الأسعار
بعد أن تعذر على عدد من الأسر القيام بشعيرة العيد في السنة الماضية، برز هذا العام نوع من الاستعداد النفسي لتعويض ذلك، حتى ولو تطلب الأمر دفع مبالغ مرتفعة.
هذا العامل يخلق طلبًا عاطفيًا أكثر منه عقلانيًا، ويساهم في تغذية موجة الغلاء، خصوصًا في المراحل الأولى من السوق، حيث يسارع البعض إلى الشراء خوفًا من ارتفاع أكبر.
عيد الأضحى.. سيناريو متكرر من الركود إلى “الهوتة”
المعطيات الحالية توحي بأن السوق قد يسلك مسارًا متقلبًا، يبدأ بعزوف نسبي عن الشراء بسبب الأسعار المرتفعة، ما يدفع بعض البائعين إلى خفض الأثمان تدريجيًا.
لكن هذا الهدوء لا يدوم، إذ غالبًا ما تعود حركة السوق بقوة في الأيام الأخيرة قبل موعد عيد الأضحى، فيما يعرف بـ“الهوتة”، حيث يتهافت المشترون دفعة واحدة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في الأسعار، يعيد الضغط من جديد على الأسر.
كيف يتصرف المستهلك بذكاء؟
في ظل هذا الوضع، يصبح حسن التوقيت واتخاذ القرار بعقلانية عنصرين حاسمين. فالتسرع في بداية الموسم قد يعني دفع ثمن أعلى، كما أن الانتظار إلى آخر لحظة قد يضع المشتري أمام أسعار ملتهبة وخيارات محدودة.
الاختيار المتوازن، القائم على مقارنة الأسعار وتحديد ميزانية مسبقة، يظل الحل الأنسب. كما أن تجاوز بعض الأفكار المسبقة، مثل التركيز فقط على “الحولي”، يمكن أن يفتح المجال أمام خيارات جيدة بأسعار معقولة.
سوق الأضاحي هذا العام لا يعاني من نقص في العرض، بل من تذبذب في السلوك. وبين الرغبة في أداء الشعيرة والضغط الاجتماعي، يبقى المستهلك أمام تحدي اتخاذ قرار ذكي يوازن بين الإمكانيات والواجب، بعيدًا عن الاندفاع الذي يصنع الغلاء.

التعاليق (0)