يطرح العديد من المتابعين سؤالًا متكررًا حول طبيعة التوتر القائم بين المغرب والجزائر، ولماذا لم يتحول هذا التوتر في أي مرحلة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
الإجابة، من منظور التحليل الاستراتيجي، لا ترتبط فقط بالإرادة السياسية، بل بمنظومة معقدة من عوامل الردع والتوازن الإقليمي التي تجعل أي خيار عسكري مباشر مرتفع الكلفة وغير مضمون النتائج.
في هذا السياق، يعتمد المغرب خلال السنوات الأخيرة مقاربة دفاعية حديثة تقوم على تعزيز الردع الفعّال والجاهزية العملياتية، وهو ما يعني عمليًا رفع كلفة أي تهديد محتمل إلى مستوى يمنع التفكير في التصعيد منذ البداية.
هذه المقاربة لا تقوم على منطق رد الفعل فقط، بل على منطق الاستباق والقدرة على التحكم في مسار الأزمات عند وقوعها.
وتُظهر بعض المحطات الميدانية، خصوصًا في منطقة الكركرات، كيف تمكن المغرب من التعامل مع وضع ميداني حساس بسرعة وحسم، مع الحفاظ على سقف تصعيد منخفض.
هذا النموذج يعكس تطورًا في العقيدة العسكرية نحو إدارة الأزمات بطريقة تمنع توسعها وتحولها إلى مواجهة مفتوحة، وهو عنصر أساسي في فهم منطق الاستقرار الحالي.
إلى جانب ذلك، يستفيد المغرب من موقع جيوسياسي حساس ومن شبكة علاقات وشراكات دولية متقدمة، ما يعزز من وزنه الاستراتيجي ويمنحه هامشًا أوسع في إدارة التوازنات الإقليمية.
هذا البعد لا يُقاس فقط بالقوة العسكرية المباشرة، بل أيضًا بقدرة الدولة على توظيف الدبلوماسية والتحالفات في دعم استقرارها الاستراتيجي.
في المقابل، تُظهر المعطيات الإقليمية أن أي مواجهة عسكرية في منطقة المغرب الكبير ستظل محفوفة بمخاطر كبيرة، نظرًا لتداخل الجغرافيا السياسية وتعقيد المصالح الإقليمية والدولية، إضافة إلى الكلفة الاقتصادية والأمنية العالية لأي تصعيد شامل. هذه العوامل مجتمعة تجعل من خيار الحرب المباشرة سيناريو ضعيف الاحتمال ضمن الحسابات الاستراتيجية الواقعية.
ولا يُفهم استقرار الوضع بين المغرب والجزائر من زاوية القوة العسكرية وحدها، بل من خلال توازن ردع غير معلن يقوم على كلفة التصعيد، وتعقيد البيئة الإقليمية، وتداخل المصالح.
وضمن هذا الإطار، يظل منطق إدارة التوتر وضبطه هو الخيار الأكثر حضورًا بدل الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
المعطيات الميدانية والاستراتيجية تشير إلى أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة عناصر قوة حقيقية، تقوم على الجاهزية العسكرية، والنجاعة الميدانية، والقدرة على فرض الاستقرار في اللحظات الحاسمة.
هذه العناصر، إلى جانب توازنات الإقليم، تجعل من منطق الردع الخيار الأكثر حضورًا في إدارة العلاقة بين الرباط وجيرانها، بدل أي سيناريو آخر.

التعاليق (0)