كشفت الخبيرة في الاقتصاد وعضو الاتحاد العام لمقاولات المغرب، حنان اتهاميك، معطيات مهمة حول حجم الاستثمارات المرتبطة بتنظيم مونديال 2030، مستندة إلى تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي حلّل الأثر الاقتصادي الشامل لمشاريع البنية التحتية التي يعتزم المغرب تنفيذها استعداداً لهذا الحدث العالمي.
وأوضحت الخبيرة أن التقرير يبرز صورة متوازنة تجمع بين ضغوط مالية متوقعة على المدى القصير، مقابل مكاسب اقتصادية واعدة على المدى الطويل، ما يجعل هذا الورش الوطني من أكبر المشاريع الاستثمارية في تاريخ المملكة الحديث.
استثمارات ضخمة تعادل 11.9% من الناتج المحلي
أبرزت الخبيرة الاقتصادية أن المغرب يخطط لضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، حيث يُرتقب أن تصل قيمة هذه الاستثمارات إلى ما يعادل 11.9% من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2024.
وأشارت إلى أن هذا الحجم من الإنفاق يُعد كبيراً بالنظر إلى حجم الاقتصاد المغربي، الذي يتجاوز 140 مليار دولار سنوياً، ما يعكس حجم الرهان الذي تضعه المملكة على نجاح تنظيم كأس العالم وتحويله إلى فرصة تنموية شاملة.
وأكدت أن هذه الاستثمارات لن تقتصر على الملاعب فقط، بل ستشمل قطاعات حيوية مرتبطة بالنقل والسياحة والخدمات، وهو ما يُعزز من فرص تحسين جودة البنية التحتية الوطنية على المدى الطويل.
خمسة قطاعات رئيسية تستحوذ على الاستثمارات
وأوضحت حنان اتهاميك أن الاستثمارات الموجهة لمونديال 2030 ستتوزع على خمسة مجالات رئيسية، يأتي في مقدمتها قطاع السكك الحديدية، الذي يُعد أكبر بند في الميزانية.
فبحسب المعطيات التي نقلتها الخبيرة، سيستحوذ تحديث السكك الحديدية على حوالي 6.0% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث يخطط المغرب لتمديد خط القطار فائق السرعة من طنجة نحو الدار البيضاء، إضافة إلى تحديث عدد من الخطوط الحالية.
كما ستشمل المشاريع توسعة المطارات بنسبة تُقدر بـ2.4% من الناتج المحلي، بهدف تحسين الطاقة الاستيعابية للمطارات الدولية وتحديث مرافقها. وفي المقابل، سيتم تخصيص حوالي 0.9% من الناتج المحلي لإنشاء الطرق السريعة التي تربط المدن المستضيفة للمباريات.
وفيما يخص الملاعب، أوضحت الخبيرة أن المغرب سيخصص نحو 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي لبناء وتجديد ما لا يقل عن ستة ملاعب وفق معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم، إلى جانب تخصيص نسبة 0.5% لمرافق دعم المدن والسياحة، مثل الفنادق والمرافق التجارية.
المؤسسات العامة تقود تمويل مشاريع مونديال 2030
وفي ما يتعلق بمصادر التمويل، أوضحت الخبيرة أن المؤسسات العامة ستتحمل النصيب الأكبر من تكلفة المشاريع، حيث ستغطي ما يقارب 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك عبر قروض خارجية ميسرة من مؤسسات مالية دولية، إضافة إلى إصدار سندات محلية وتعبئة موارد داخلية.
وأضافت أن الحكومات المحلية ستساهم بما يقارب 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، عبر اللجوء إلى القروض البنكية، وهو ما يشكل عبئاً مالياً على ميزانياتها، لكنه في المقابل يمنحها فرصة استثنائية لتطوير البنية التحتية داخل المدن.
أما الحكومة المركزية، فقد تبنت نهجاً أكثر تحفظاً، إذ لن تتجاوز مساهمتها المباشرة 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، في خطوة تهدف إلى تقليل الضغط على المالية العمومية وتوزيع عبء التمويل على جهات متعددة.
نمو اقتصادي متوقع مقابل ارتفاع مؤقت في العجز
وأوضحت الخبيرة الاقتصادية أن نموذج صندوق النقد الدولي يتوقع أن يحقق الاقتصاد المغربي مكاسب واضحة على المدى المتوسط والطويل، حيث يُرجح أن يكون الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي أعلى بنحو 2% بحلول سنة 2030 مقارنة بالسيناريو الذي لا يشمل تنظيم كأس العالم.
ويرجع هذا النمو، حسب التقرير، إلى تحفيز الطلب الناتج عن مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى المكاسب المرتبطة بتحسين النقل وتوسيع النشاط السياحي.
لكن في المقابل، حذرت الخبيرة من أن هذه الاستثمارات ستؤدي إلى ارتفاع مؤقت في العجز المالي، بمعدل 1.2 نقطة مئوية سنوياً خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، مع زيادة متوقعة في الدين العام بنسبة تتراوح بين 7% و8%، قبل أن يبدأ في الانخفاض تدريجياً مع تحسن النمو الاقتصادي وسداد الديون.
آثار جانبية محدودة على التضخم والاستثمار
كما كشفت حنان اتهاميك أن المشاريع الكبرى المرتبطة بمونديال 2030 قد تُحدث بعض الآثار الجانبية الاقتصادية، لكنها تبقى محدودة في المجمل.
ومن بين هذه الآثار، تسجيل ارتفاع طفيف في معدل التضخم على المدى القصير بنسبة تقارب 0.1%، وهو مستوى يُعتبر ضعيفاً نسبياً ولا يُتوقع أن يؤثر بشكل كبير على القدرة الشرائية للمواطنين.
في المقابل، قد يؤدي ارتفاع الدين العام إلى زيادة أسعار الفائدة خلال فترة تنفيذ المشاريع، وهو ما قد يدفع بعض الشركات الخاصة إلى تأجيل استثماراتها مؤقتاً بسبب ارتفاع تكلفة التمويل، قبل أن يعود النشاط الاستثماري إلى الانتعاش بعد سنة 2030.
ثلاث توصيات لضمان نجاح الاستثمارات
وفي ختام عرضها، أوضحت الخبيرة أن صندوق النقد الدولي قدّم ثلاث توصيات أساسية لضمان نجاح المشاريع المرتبطة بمونديال 2030 وتحقيق أقصى استفادة اقتصادية منها.
أولى هذه التوصيات تتعلق بضرورة ضبط التكاليف وتعزيز مراقبة تنفيذ المشاريع، لتفادي تجاوز الميزانيات المقررة، وهي ظاهرة شائعة في الأحداث الرياضية الكبرى.
أما التوصية الثانية، فتتمثل في إدراج تكاليف الصيانة ضمن الميزانيات منذ البداية، لضمان استدامة البنية التحتية الجديدة وتفادي تحولها إلى مرافق غير مستغلة أو متقادمة.
في حين ركزت التوصية الثالثة على أهمية إدارة المخاطر المالية، خاصة تلك المرتبطة بديون المؤسسات العامة والجماعات المحلية، مع اعتماد أنظمة إنذار مبكر لتفادي أي اختلالات مالية مستقبلية.
تشير المعطيات التي كشفت عنها الخبيرة الاقتصادية حنان اتهاميك إلى أن تنظيم بطولة مونديال 2030 يمثل فرصة تاريخية للمغرب لتعزيز بنيته التحتية وتحقيق دفعة اقتصادية مهمة، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات مالية تتطلب تخطيطاً دقيقاً وحكامة صارمة.
ويبقى نجاح هذا المشروع رهيناً بقدرة المغرب على توجيه الاستثمارات بكفاءة، وتحويل هذا الحدث الرياضي العالمي إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يضمن تحقيق مكاسب طويلة الأمد تتجاوز حدود البطولة نفسها.

التعاليق (0)