بعد استعراضنا سابقاً للتسلسل الزمني للتساقطات المرتقبة خلال الأسبوع المقبل، تكشف المعطيات التقنية للنماذج العددية وخرائط الضغط الجوي أن المغرب لا يقف أمام منخفض عابر تقليدي، بل أمام منظومة أطلسية عميقة ذات دينامية عالية قد تفسر شدة الأمطار المنتظرة، خاصة بالشمال الغربي للمملكة.
التحليل التالي يركّز على البنية الفيزيائية للاضطراب، أي “كيف ستتشكل الحالة ولماذا قد تكون قوية”. والتي قد تبدأ الاثنين القادم وتصل ذروتها يومي الأربعاء والخميس.
المرتفع الآصوري يفقد فعاليته الحاجزية
تُظهر خرائط الضغط عند مستوى سطح البحر قيماً في حدود 1024–1026 هكتوباسكال للمرتفع الآصوري، غير أن تموضعه هذا الأسبوع يبدو منبسطاً ومزاحاً نحو الجنوب، ما يقلل من قدرته على لعب دوره الكلاسيكي كحاجز صدّ أمام الكتل الباردة.
تقنياً، عندما يفقد المرتفع امتداده شمالاً، ينفتح ممر مباشر بين شمال الأطلسي وغرب المتوسط، وهو ما يسمح للمنخفضات العميقة بالتوغل بسهولة نحو المغرب.
وهذا بالضبط ما توضحه النماذج الحالية.

منخفض عميق بقيم ضغط لافتة
في المقابل، يتشكل غرب شبه الجزيرة الإيبيرية منخفض أطلسي بقيم ضغط مركزية قد تنخفض إلى أقل من 970 هكتوباسكال، وهي أرقام ترتبط عادة بمنخفضات شتوية نشطة وليست اضطرابات عادية.
هذا الانخفاض الحاد في الضغط يعني: ارتفاع كبير في التدرج الضغطي (Pressure Gradient)وتسارع في سرعة الرياح
وضخ متواصل للرطوبة من المحيط وكلها عوامل تزيد من كثافة السحب وفعالية الهطول.

دور التيار النفاث في “تغذية” المنخفض
إحدى أبرز الإشارات التقنية في الخرائط العليا هي تموضع تيار نفاث قوي فوق شمال المغرب بسرعة رياح عالية على مستوى 300 هكتوباسكال.
وظيفة هذا التيار لا تقتصر على تحريك السحب، بل يعمل كآلية دينامية لتعميق المنخفض عبر: تعزيز الصعود الهوائي
وتجدد الاضطراب وتكوين جبهات مطرية متتالية، بمعنى آخر، الحالة لا تعتمد على دفعة مطرية واحدة، بل على تغذية مستمرة قد تطيل مدة التساقطات.

لماذا تتركز الأمطار في اللوكوس والريف؟
العامل الجغرافي يلعب دوراً حاسماً، فالتيارات الغربية الرطبة تصطدم أولاً بسواحل اللوكوس والريف، ومع وجود تضاريس جبلية متوسطة الارتفاع، يحدث رفع تضاريسي (Orographic Lift) يجبر الهواء الرطب على الصعود والتكاثف بسرعة.
هذه العملية تضاعف كميات الهطول مقارنة بالمناطق الداخلية، وهو ما يفسر تاريخياً تسجيل أعلى المقاييس بهذه الأقاليم خلال الحالات الأطلسية القوية.
ماذا تعني هذه المؤشرات ميدانياً؟
عندما يجتمع: منخفض عميق مع تيار نفاث نشط ورطوبة أطلسية عالية ورفع تضاريسي فإن النتيجة غالباً تكون زخات قوية محلياً، وتساقطات مهمة في زمن وجيز، مع احتمال تشكل جريان سطحي سريع وارتفاع منسوب الأودية.
أي أننا أمام حالة مطرية ذات طابع ديناميكي أكثر من كونها مجرد أمطار متفرقة.

المعطيات التقنية الحالية تضع الحالة المرتقبة ضمن خانة الاضطرابات الأطلسية القوية لهذا الموسم، وهو ما قد يحمل مؤشرات إيجابية على مستوى الموارد المائية، لكنه في الوقت ذاته يستدعي اليقظة ومتابعة النشرات الإنذارية الرسمية تحسباً لأي تطورات مفاجئة.

التعاليق (0)