تتداول بعض المنابر روايات عن لقاءات أمنية بين مصر والجزائر لبحث صيغة إقليمية جديدة تحت مسمى «اتحاد شمال إفريقيا»، يضم تونس وليبيا وموريتانيا والسودان، مع استبعاد المغرب. وإن صحّت هذه الفكرة، فهي لا تتعلق بإعادة ترتيب إداري بسيط، بل بمحاولة لإعادة رسم المجال الاستراتيجي للمنطقة بمنطق الإقصاء السياسي.
مشروع سياسي أم قراءة خاطئة للجغرافيا؟
التاريخ يثبت أن الخرائط لا تُصاغ في غرف الاجتماعات المغلقة، بل تُفرض بميزان الجغرافيا والمصالح. شمال إفريقيا ليس مجرد دول متجاورة، بل منظومة مترابطة من الممرات البحرية، والموانئ، وسلاسل الإمداد، والأسواق المتداخلة. لذلك فإن أي تصور يتجاهل موقع المغرب الأطلسي–المتوسطي يتجاهل عملياً أحد أهم المفاتيح الجيو-اقتصادية في المنطقة.
المغرب لا يشكل فقط طرفاً سياسياً، بل عقدة لوجستية ومالية وتجارية تربط أوروبا بإفريقيا جنوب الصحراء، وتتحكم في بوابات بحرية حيوية. تجاوز هذا الدور ليس موقفاً سياسياً فحسب، بل مخاطرة اقتصادية مباشرة لمن يفكر في بناء تكتل إقليمي بديل.
الخلل سياسي وليس مؤسساتياً
فكرة «تعويض اتحاد بآخر» تكشف اعترافاً ضمنياً بأن الأزمة الحقيقية ليست في اسم الإطار أو هيكله، بل في غياب الثقة السياسية بين بعض العواصم. التجارب الإقليمية في العالم تؤكد أن المؤسسات لا تنجح بمجرد تغيير اللافتة؛ إنما تحتاج إرادة تعاون حقيقية وتكامل مصالح.
إنشاء تكتل جديد بنفس الذهنية الإقصائية يعني إعادة إنتاج المأزق نفسه: اجتماعات كثيرة، نتائج محدودة، وخلافات مزمنة.
منطق التكامل لا منطق الاستبعاد
التحالفات الناجحة تُبنى على التكامل: من يملك الموانئ، من يملك العمق البشري، من يملك الموارد، ومن يملك الاستقرار. أما المشاريع التي تولد كرد فعل سياسي أو بدافع عزل طرف مركزي، فغالباً ما تكون هشة وقصيرة العمر.
في الحالة المغاربية، يصعب تصور أي توازن إقليمي دون المغرب، لأن شبكة علاقاته الاقتصادية تمتد من أوروبا إلى غرب إفريقيا، واستثماراته البنكية والصناعية حاضرة بقوة في القارة. هذه الحقائق تجعل الاستبعاد أقرب إلى شعار سياسي منه إلى خطة قابلة للتنفيذ.
المغرب… معادلة يصعب تجاوزها
الواقع أن قوة الدول اليوم تُقاس بعمق ارتباطها بمحيطها، لا بعدد الكراسي حول طاولة الاجتماعات. والمغرب رسخ خلال السنوات الأخيرة موقعه كفاعل استراتيجي في الأمن الغذائي، الطاقات المتجددة، النقل البحري، والتعاون الإفريقي. لذلك فإن أي مشروع إقليمي يتجاهل هذا الوزن سيجد نفسه معزولاً عن أهم شرايين الحركة الاقتصادية في المنطقة.
سواء كانت هذه الروايات دقيقة أو مجرد تسريبات سياسية، فإن الرسالة الواضحة هي أن الجغرافيا أقوى من الحسابات الظرفية. شمال إفريقيا لا يُبنى بالإقصاء، بل بالتكامل. وأي اتحاد يولد ضد طرف مركزي محكوم عليه بالهشاشة منذ يومه الأول.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)