عرف المغرب منذ الاستقلال سلسلة من الفيضانات التاريخية التي تركت آثارًا عميقة على البنية التحتية والمجتمعات المحلية، وأثرت على حياة آلاف المواطنين. من الشمال الغربي إلى مناطق الغرب والسايس والريف، لم ينجُ أي إقليم من قوة العواصف والمنخفضات الأطلسية التي حملت معها أمطارًا قوية وسيولًا جارفة. هذه الكوارث لم تقتصر على الماضي، بل تكررت عبر العقود لتعكس الديناميكية المناخية المتغيرة للمملكة.
فيضانات يناير 1963: البداية المأساوية
مع الأسبوع الثاني من يناير 1963، ارتفع الضغط الجوي فوق فاسكندنافيا، مما دفع بالجبهة الأطلسية إلى اندفاع منخفض جوي عملاق على المغرب. أدى هذا المنخفض إلى سلسلة من العواصف الكبيرة، وكانت مناطق الشمال الغربي الأكثر تضررًا، خصوصًا نهر سبو الذي شهد فيضانًا تاريخيًا.
أسفرت هذه الفيضانات عن وفاة العشرات، كما غمرت المياه معظم الأراضي الزراعية بسهل الغرب، ما تسبب في خسائر فادحة. تأثر المغرب آنذاك بصدمات إضافية بعد زلزال أكادير عام 1960، وكان وقع هذه الكارثة شديدًا لدرجة أن الملك الحسن الثاني قرر إلغاء عيد الأضحى ذلك العام، تقديرًا للظروف الصعبة التي مر بها الشعب.
فيضانات 1995–1996: الأمطار الاستثنائية
شهد موسم 1995–1996 نشاطًا مطريًا غير مسبوق، حيث تميزت الفترة بين ديسمبر 1995 ومارس 1996 بفيضانات تاريخية بسبب سلسلة من العواصف الأطلسية شبه الاستوائية. هذه العواصف جلبت ما يعرف بالأنهار الجوية المحملة بالرطوبة من المناطق الاستوائية جنوب الكاريبي، وهو ما نتج عنه تساقط كميات هائلة من الأمطار تجاوزت 2000 ملم في بعض مناطق الغرب والشمال.
تسببت هذه الفيضانات في خسائر بشرية ومادية كبيرة، خاصة في أودية ورغة وسبو، مما جعل هذا الموسم واحدًا من أكثر الفترات المطرية تأثيرًا في تاريخ المغرب الحديث.
فيضانات الغرب 2009–2010: قوة القرن الواحد والعشرين
كان موسم 2009–2010 أحد أقوى المواسم المطرية في القرن الواحد والعشرين بالمغرب. تميز هذا الموسم بدخول منخفضات أطلسية محملة بكميات ضخمة من الرطوبة مباشرة من جزر الكناري إلى مناطق سوس، ما أدى إلى أمطار قوية وفيضانات ضخمة في الغرب، السايس، والريف الغربي، ووصلت تأثيراتها حتى إلى الأقاليم الجنوبية مثل العيون والسمارة.
كانت هذه المنخفضات مختلفة عن الأنواع التي شهدتها السنوات الأخيرة، حيث تغذت على مياه المحيط الأطلسي شبه المدارية الساخنة ورطوبة عالية، مما جعلها شديدة العنف. يُذكر أن آخر منخفض من هذا النوع وقع في نوفمبر 2014، وكان واحدًا من أقوى المنخفضات الأطلسية في العقد الثاني من القرن الحالي.
المغرب بين الفيضانات والجفاف: ديناميكية مناخية مستمرة
بالرغم من أن الفيضانات شكلت جزءًا من التاريخ المناخي للمغرب، إلا أن المملكة عرفت أيضًا سنوات جفاف قاسية، مثل أزمة الأربعينات والثمانينات، وصولًا إلى السنوات الأخيرة. هذا التناقض بين الفيضانات والجفاف يعكس الطبيعة الديناميكية والمتغيرة للمناخ المغربي، حيث تتبدل الظروف الجوية بشكل مستمر، ما يفرض على السلطات والمواطنين الاستعداد الدائم لمواجهة أي كارثة طبيعية.
تاريخ المغرب مع الفيضانات يظهر مدى هشاشة البنية التحتية أمام الظواهر الجوية المتطرفة، ويبرز الحاجة إلى استراتيجيات حماية فعّالة، سواء من خلال مشاريع الصرف الصحي والحواجز المائية، أو عبر التخطيط العمراني الذكي. مع استمرار التغيرات المناخية، يبقى المغرب في مواجهة مستمرة بين القوة الطبيعية المدمرة والقدرة على التكيف والاستجابة.

التعاليق (0)