بعد سنوات طويلة من التشدد والرفض غير المعلن، أعلنت الجزائر عودتها إلى استقبال مواطنيها من المهاجرين غير النظاميين المرحّلين من أوروبا، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول خلفيات هذا التحول وتوقيته.
فهل نحن أمام تغيير حقيقي في السياسة الجزائرية، أم مجرد استجابة اضطرارية لإكراهات خارجية فرضتها معادلات دولية جديدة؟
ما الذي حدث فعليًا؟
البيان الصادر عن مجلس الوزراء الجزائري جاء ليكرّس واقعًا ظلّ قائمًا في الكواليس منذ أشهر، يتمثل في قبول استقبال المهاجرين الجزائريين غير النظاميين الذين قررت دول أوروبية، وعلى رأسها فرنسا، ترحيلهم.
القرار، وإن قُدّم رسميًا في قالب تنظيمي، يعكس في جوهره تراجعًا واضحًا عن موقف طالما اتسم بالمماطلة والرفض الضمني، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات الترحيل القسري.
لماذا تغيّر الموقف الآن؟
توقيت القرار ليس معزولًا عن السياق الدولي. فخلال السنوات الأخيرة، شدّدت الدول الأوروبية مقاربتها لملف الهجرة، ولم تعد تنظر إليه كقضية إنسانية فقط، بل كملف أمني وسيادي مرتبط بالاستقرار الداخلي.
في هذا الإطار، تحوّلت الهجرة إلى ورقة ضغط دبلوماسية، حيث بات التعاون في هذا الملف شرطًا أساسيًا لاستمرار الشراكات السياسية والاقتصادية. ومع تقلص هامش المناورة، وجدت الجزائر نفسها أمام خيارين: إما القبول بالتنسيق، أو مواجهة عزلة متزايدة في علاقاتها مع شركائها الأوروبيين.
خطاب رسمي لا يغيّر الواقع
محاولة تحميل أطراف خارجية مسؤولية تفاقم الهجرة لا تخفي جوهر الأزمة. فالمشكلة لا تبدأ عند السواحل الأوروبية، بل من الداخل، حيث تتقاطع عدة عوامل بنيوية:
اقتصاد يعاني من اختلالات مزمنة، معدلات بطالة مرتفعة في صفوف الشباب، وانسداد آفاق اجتماعية تدفع الآلاف إلى البحث عن مستقبل خارج الحدود، ولو عبر طرق محفوفة بالمخاطر.
العودة القسرية لهؤلاء المهاجرين لا تعالج هذه الأسباب، بل تعيد إنتاج الأزمة داخل البلاد بشكل أكثر تعقيدًا.
العائدون… عبء سياسي واجتماعي
استقبال المهاجرين المرحّلين يطرح تحديات داخلية لا يمكن تجاهلها. فهؤلاء العائدون لا يعودون ضمن برامج إدماج أو إعادة تأهيل واضحة، بل في سياق ضغط خارجي، ما يحوّلهم إلى ملف اجتماعي حساس وعبء سياسي محتمل.
غياب رؤية شاملة لإدماجهم اقتصاديًا واجتماعيًا يفتح الباب أمام مزيد من الاحتقان، ويطرح سؤالًا جوهريًا حول قدرة الدولة على التعامل مع نتائج سياسات لم تعالج جذورها بعد.
بين إدارة الأزمة ومعالجة أسبابها
ما حدث لا يمكن اعتباره تحولًا إصلاحيًا بقدر ما هو استجابة ظرفية لإكراهات دولية متصاعدة. فالقبول باستقبال المهاجرين، في حد ذاته، لا يشكّل حلًا، ما لم يترافق مع سياسات حقيقية تعالج أسباب النزيف البشري من الأساس.
ويبقى السؤال المطروح: هل تستغل الجزائر هذه اللحظة لمراجعة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، أم تكتفي بإدارة الأزمة وتأجيل الحلول إلى إشعار آخر؟
قرار الجزائر استئناف استقبال مهاجريها يعكس واقعًا جديدًا في علاقة الهجرة بالسياسة الدولية، حيث لم تعد الشعارات كافية لتجاوز الضغوط. وبين ما هو مفروض من الخارج وما هو مطلوب في الداخل، يبقى الرهان الحقيقي معلقًا على معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)