في الوقت الذي يراكم فيه المغرب دعماً دولياً متزايداً لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والنهائي لقضية الصحراء، تتكثف في المقابل تحركات دبلوماسية وعسكرية جزائرية في عواصم مؤثرة مثل مدريد وواشنطن، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الأجندة التي يجري الدفع بها خلف الكواليس، والرهانات الحقيقية لهذه التحركات على مستقبل المنطقة.
قراءة المعطيات المتداولة تكشف أن الأمر لا يتعلق بمعارضة مباشرة للمقترح المغربي، بل بمحاولة إعادة صياغته من الداخل بطريقة تُفرغه من مضمونه السيادي.
محاولة تفخيخ الحكم الذاتي من الداخل
تشير المؤشرات إلى أن التعليمات الصادرة عن القيادة العسكرية الجزائرية، بقيادة السعيد شنقريحة، لم تعد تراهن على أطروحة الانفصال بصيغتها التقليدية، بعد تراجع دعمها دولياً، بل انتقلت إلى استراتيجية أكثر تعقيداً تقوم على القبول الشكلي بالحكم الذاتي مقابل المطالبة بصلاحيات شبه سيادية للكيان المقترح.
هذا الطرح، في حال تمريره، سيحوّل الحكم الذاتي من حل نهائي تحت السيادة المغربية إلى صيغة هجينة تُقيد قرارات الرباط وتفتح الباب مستقبلاً لتأويلات انفصالية، وهو ما يتعارض جوهرياً مع فلسفة المبادرة المغربية.
معركة الموارد.. البعد الاقتصادي للصراع
لا تتوقف الضغوط عند الجانب السياسي فقط، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي.
فالمطالبة بآليات رقابة دولية على الثروات الطبيعية في الأقاليم الجنوبية، خاصة المعادن الحيوية ومشاريع الهيدروجين الأخضر، تعكس محاولة لفصل التنمية عن السيادة.
بمعنى آخر، تحويل المنطقة إلى فضاء اقتصادي “مُدوّل” يمنع المغرب من استثمار تفوقه التنموي لترسيخ استقراره الميداني.
غير أن الواقع يثبت أن النموذج المغربي في الصحراء قائم على الاستثمار والبنيات التحتية وخلق فرص الشغل، وهي عناصر تعزز الارتباط الوطني بدل إضعافه.
ورقة الأمن والديموغرافيا
المعطيات المتداولة تكشف أيضاً رهانات على خلق وضع أمني معقد عبر الدفع نحو إدماج عناصر من البوليساريو في أجهزة محلية مستقلة، بما قد ينتج ازدواجية في السلطة ويهدد الاستقرار.
كما أن أي محاولة لإحداث تغييرات ديموغرافية مصطنعة تبقى رهانا محفوفاً بالمخاطر، لأن الاستقرار الاجتماعي في الأقاليم الجنوبية بُني تاريخياً على روابط البيعة والانتماء الوطني، لا على هندسات سياسية ظرفية.
لماذا تفشل هذه المناورات؟
التجارب الإقليمية تؤكد أن الحلول الهجينة تولد الفوضى وتدويل الموارد يعرقل التنمية بالإضافة إلى أن ازدواجية الأمن تهدد السلم، بينما يقوم النموذج المغربي على وضوح السيادة واستثمار اقتصادي واسع وأيضا استقرار مؤسساتي، وهي عناصر تحظى بدعم دولي متزايد.
ما تكشفه هذه التحركات ليس ضعف المبادرة المغربية، بل العكس تماماً، فكلما تعززت واقعية الحكم الذاتي كحل نهائي، ازدادت محاولات الالتفاف عليه.
لكن الثابت أن استقرار المنطقة يمر عبر حل تحت السيادة المغربية الكاملة، لا عبر صيغ رمادية تُطيل أمد التوتر.
وفي النهاية، تبقى التنمية الميدانية والدبلوماسية الهادئة أقوى من أي مناورات خلف الكواليس.

التعاليق (0)