عندما تعلن وزارة السياحة عن اقتراب المغرب لأول مرة من عتبة 20 مليون سائح، فالأمر لا يتعلق فقط برقم قياسي جديد يُضاف إلى الأرشيف، بل بإشارة قوية على تحوّل أعمق يطال موقع السياحة داخل الاقتصاد الوطني.
سنة 2025 تبدو، من خلال هذه الأرقام، كأنها لحظة مفصلية انتقلت فيها السياحة المغربية من مرحلة التعافي إلى مرحلة النضج والتموقع الاستراتيجي، داخليًا ودوليًا.
لكن ماذا تعني هذه الأرقام فعليًا للمغرب؟ وأين تكمن أهميتها الحقيقية بعيدًا عن لغة البلاغات الرسمية؟
أكثر من عدد سياح.. تغير في طبيعة النمو
الارتفاع بنسبة 14 في المائة في عدد الوافدين قد يبدو، للوهلة الأولى، امتدادًا طبيعيًا لمنحى تصاعدي عرفه القطاع خلال السنوات الأخيرة. غير أن المعطى الأكثر دلالة هو أن العائدات السياحية نمت بوتيرة أسرع، مسجلة 124 مليار درهم بزيادة 19 في المائة.
هذا الفارق بين نمو العدد ونمو العائدات يعني ببساطة أن السائح الذي يزور المغرب اليوم ينفق أكثر، ويستهلك خدمات ذات قيمة أعلى، ما يعكس تحسن جودة العرض السياحي وتنوعه، بدل الاكتفاء بسياحة منخفضة التكلفة ومحدودة الأثر.
السياحة كمحرّك تنموي… لا نشاط موسمي
أحد التحولات الصامتة التي تكشفها هذه الأرقام هو أن السياحة لم تعد نشاطًا موسميًا محصورًا في مدن بعينها، بل أصبحت رافعة تنموية ترابية.
خارطة طريق السياحة 2023-2026، التي تراهن على هيكلة الإيواء وتحفيز الاستثمار المحلي، بدأت تعطي نتائج ملموسة على مستوى الأقاليم، من خلال خلق فرص شغل، وإنعاش الصناعة التقليدية، والخدمات المرتبطة بها.
بمعنى آخر، الأثر لم يعد محصورًا في الفنادق الكبرى، بل امتد إلى سلاسل اقتصادية محلية يستفيد منها عدد أوسع من المغاربة.
الربط الجوي… حجر الزاوية في هذا التحول
لا يمكن فهم هذا الأداء دون التوقف عند عامل أساسي: الربط الجوي، فالمغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في توسيع شبكته الجوية وربط وجهاته بأسواق جديدة، ما قلّص من هشاشة القطاع أمام تقلبات سوق واحدة أو ظرفية دولية معينة.
هذا التنويع جعل السياحة المغربية أكثر قدرة على الصمود، وأكثر جذبًا لسياح يبحثون عن تجارب متنوعة على مدار السنة، لا عن وجهة موسمية فقط.
رسالة استراتيجية قبل أفق 2030
سياسيًا واستراتيجيًا، تحمل هذه الأرقام رسالة واضحة: المغرب يرسخ صورته كوجهة آمنة، منظمة، وقادرة على استيعاب التدفقات السياحية الكبرى.
وهو ما ينسجم تمامًا مع رؤية المملكة في أفق 2030، حيث لم يعد هدف استقبال 26 مليون سائح مجرد طموح نظري، بل مسارًا مدعومًا بمعطيات واقعية وبنية تحتية في طور الاكتمال.
وكخلاصة سنة 2025 لا تُختزل في رقم 19,8 مليون سائح، بل تمثل نقطة تحول انتقل فيها المغرب من منطق التعافي إلى منطق الريادة، ومن سياحة الكم إلى سياحة القيمة ومن الترويج للوجهة إلى تثبيت مكانتها. وهو ما يجعل هذا الإنجاز بداية فصل جديد، لا نهايته.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)