في عالم “السوشيال ميديا” المفتوح، لم يعد الحذف وسيلة لدفن الأخطاء، بل صار دليلاً يؤكدها، مناسبة هذا الكلام ما سقطت فيه الإعلامية الجزائرية خديجة بن قنة، اتجاه المشجع الكونغولي الذي أحبه المغاربة، وهي لسيت مجرد “سقطة مهنية” عابرة، بل هو تجسيد حي لدرس في “الاستعلاء الإعلامي” الذي ينكشف بمجرد هبوب أول ريح للحقيقة.
لقد وضعتنا هذه الواقعة أمام مشهد سريالي، حيث تفصل ساعات قليلة فقط بين التنمر على إنسان بسيط وبين استخدامه كشعار للنضال، في محاولة بائسة لركوب موجة “الترند” التي لم تكن هذه المرة في صالحها.
عندما كان التنمر “بالمجان” والاستهزاء سيد الموقف
بدأت الحكاية حين قررت خديجة بن قنة أن تجعل من ملامح مشجع كونغولي بسيط مادة للضحك والتهكم. ففي منشورها الأول (أنظر الصورة أسفله)، لم ترَ الإعلامية في ذلك الرجل الذي وقف يشجع بلده بحرارة طيلة 120 دقيقة سوى فرصة “للتنكيت” واستصغار جهده وعفويته، معلقة بأسلوب فيه الكثير من التعالي: “حرام والله.. المخلوق قعد واقف 120 دقيقة.. يروح يرتاح الآن”، مع إيموجي ضاحك يختصر نظرتها الدونية للإنسان البسيط. وكانت تظن أن الصورة ستمر كغيرها من منشورات “التنمر الناعم”، لكنها لم تكن تعلم أن ذكاء المتابع المغربي والعربي سيلتقط هذا التناقض الأخلاقي ويردعه في الحين.

قناع النضال المزيف ومحاولة غسل السمعة
لكن، وكما يقول المثل المغربي “ما كيدوم حال”، سرعان ما انقلب السحر على الساحر. فبمجرد أن شعرت بن قنة بضغط الانتقادات وبأن صورتها كـ “واعظة أخلاقية” بدأت تترنح، سارعت إلى تبديل جلدها بالكامل.
وفي منشورها الثاني أسفله، تحول المشجع الذي سخرت منه بالأمس إلى “أيقونة” تشبه المناضل التاريخي باتريس لومومبا. فجأة، صار الرجل “يستحق التكريم فعلاً”، وصارت الإعلامية تتحدث عن “رموز النضال الإفريقي” وتستحضر التاريخ والسياسة لتغطي على سقطتها الإنسانية. هذا التحول الجذري لم يكن تراجعاً عن خطأ، بل كان محاولة “تنظيف” رقمية للملف الشخصي، وهروباً إلى الأمام من مقصلة النقد التي لا ترحم المنافقين.

الحقيقة المرة.. المصداقية لا تُمحى بـ “Delete”
إن ما لا تدركه “نجمة الترند” هو أن المصداقية لا تُبنى بـ “المكياج” الذي يوضع قبل الظهور على الشاشة، ولا بالمنشورات التي تُحذف لتلميع السجل. المصداقية هي أن تحترم كرامة الإنسان في لحظة ضعفه وعفويته، لا أن تمسح به الأرض ثم ترفعه كشعار لنضالك الزائف عندما تشتد الأزمات.
إن التلاعب بمشاعر البسطاء واستغلال قضايا القارة الإفريقية لتغطية “زلة تنمر” هو قمة النفاق “على المكشوف”. لقد كشف هذا المشجع الكونغولي، بملامحه الصادقة، زيف الخطاب الإعلامي الذي يلبس ثوب المبادئ حين يشاء، ويخلعه حين يشاء، مؤكداً للجميع أن الذاكرة الرقمية أقوى من أي محاولة للتدليس.
التاريخ لا يرحم والذاكرة لا تغفر الخيانة الأخلاقية
في الختام، يبقى الدرس الأكبر هو أن احترام الشعوب يبدأ من احترام أفرادها، وأن الدفاع عن القضايا الكبرى لا يستقيم مع السخرية من الإنسان البسيط. لقد ضاعت مصداقية خديجة بن قنة في المسافة القصيرة جداً بين “ضحكة السخرية” و”دموع التماسيح”.
واليوم، لم يعد القارئ يبحث عن “النجومية” الزائفة، بل يبحث عن المواقف الثابتة التي لا تتغير بتغير موازين القوى على منصات التواصل.
كفى متاجرة بالبسطاء، وكفى استهتاراً بعقولنا، فالحقيقة ساطعة كالشمس، ولا يمكن حجبها بـ “بوست” يحذف أو اعتذار يتخفى وراء أقنعة النضال المفتعل.

التعاليق (0)