بعد بلاغ واشنطن.. كيف قرأت العواصم الكبرى هجوم السمارة؟

لحظة معاينة مقذوفات وسط السمارة مختارات لحظة معاينة مقذوفات وسط السمارة

لم يعد الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة من قبل مليشيات البوليساريو يُقرأ فقط كحادث أمني معزول أو مجرد تطور ميداني عابر، بل تحول إلى محطة سياسية كشفت طريقة تعاطي القوى الدولية الكبرى مع ملف الصحراء المغربية في المرحلة الحالية.

فخلال فترة قصيرة، توالت مواقف الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي، في مشهد دبلوماسي يحمل رسائل أعمق من مجرد بيانات إدانة تقليدية.

في الظاهر، بدت البلاغات متشابهة من حيث التنديد بالهجوم ورفض استهداف المناطق المدنية، لكن في لغة السياسة الدولية، اختيار الكلمات وترتيب العبارات غالبا ما يعكس توجها سياسيا مدروسا، خصوصا عندما تصدر المواقف عن قوى مؤثرة داخل مجلس الأمن وعلى مستوى التوازنات الدولية.

الموقف الأمريكي كان الأكثر لفتا للانتباه من الناحية السياسية. فواشنطن لم تكتف بإدانة الهجوم على السمارة، بل ربطت ما جرى بشكل مباشر بتهديد الاستقرار الإقليمي وعرقلة جهود السلام التي ترعاها الأمم المتحدة.

هذا المعطى يعكس أن الإدارة الأمريكية باتت تنظر إلى أي تصعيد عسكري في المنطقة باعتباره خطرا على المسار السياسي الأممي، وليس فقط على الأمن المغربي.

وفي السياق نفسه، أعادت الولايات المتحدة التأكيد على القرار الأممي 2797، مع ربط واضح بمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار الأكثر واقعية للتوصل إلى حل دائم للنزاع. وهي إشارة تعكس استمرار الدعم الأمريكي للمقاربة المغربية داخل الأمم المتحدة.

أما الاتحاد الأوروبي، فقد اختار لغة أكثر هدوءا، لكنها حملت بدورها رسائل دقيقة. بروكسيل شددت على أن المرحلة الحالية تتطلب تغليب التفاوض بدل التصعيد، في إشارة واضحة إلى رفض أي محاولة لفرض معطيات جديدة عبر العمل المسلح.

كما أن البيان الأوروبي أعاد بدوره التأكيد على القرار 2797، مع الإشارة إلى التفاوض على أساس مخطط الحكم الذاتي المغربي، وهي صيغة تعتبر متقدمة نسبيا بالنظر إلى الحذر التقليدي الذي ظل يميز الموقف الأوروبي في هذا الملف لسنوات.

الموقف الفرنسي جاء أكثر وضوحا وحسما. باريس أدانت بشكل مباشر الهجوم الذي تبنته جبهة البوليساريو، وذهبت أبعد من ذلك عندما اعتبرت أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل “الأساس الوحيد” للتوصل إلى حل سياسي للنزاع.

ومن خلال مقارنة المواقف الثلاثة، يظهر اختلاف مهم في طبيعة الخطاب الدبلوماسي:
فالولايات المتحدة تحدثت عن الحكم الذاتي كطريق نحو السلام، بينما اعتبره الاتحاد الأوروبي أساسا للتفاوض، في حين وصفته فرنسا بأنه الحل الوحيد الممكن. وهذا التدرج في اللغة يعكس التحول المتزايد داخل عدد من العواصم الكبرى تجاه مقاربة حل النزاع.

وفي خلفية هذه التطورات، برزت أيضا زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تركيا، والتي ركزت أساسا على ملفات إقليمية مرتبطة بالساحل وليبيا والتعاون العسكري والطاقة، قبل أن يعود ملف الصحراء إلى الواجهة عقب المواقف الدولية المتتالية.

تبون شدد لاحقا على تمسك الجزائر بقرارات مجلس الأمن والمسار الأممي، وهو تصريح يحمل دلالات سياسية واضحة في ظل حساسية المرحلة، خاصة بعد صدور مواقف متقاربة زمنيا من واشنطن وباريس والاتحاد الأوروبي.

وتدرك الجزائر، مثل باقي الأطراف الدولية، أن أي تصعيد عسكري جديد في المنطقة قد يزيد من تعقيد الأوضاع الإقليمية، خصوصا في ظل التحديات المرتبطة بالإرهاب والهجرة والطاقة والتنافس الدولي في منطقة الساحل والصحراء.

وتبدو الرسائل الدولية الأخيرة أبعد من مجرد إدانات ظرفية لهجوم على السمارة. فالمواقف الصادرة عن القوى الكبرى تعكس ثلاثة توجهات واضحة: رفض العودة إلى التصعيد العسكري، دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الأكثر واقعية، ثم وجود رغبة دولية متنامية لدفع الملف نحو تسوية نهائية داخل إطار الأمم المتحدة.

وفي ظل التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، يبدو أن المجتمع الدولي بات أكثر حرصا على تثبيت الاستقرار وتجنب أي توتر جديد قد يفتح الباب أمام مزيد من الاضطرابات في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً