أثار حضور المغرب اللافت في مبادرة “تحالف السلام” التي أُطلقت بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة نقاش واسعة داخل الإعلام العربي. وبين من اعتبره مكسبًا دبلوماسيًا للمملكة ومن قرأه كمؤشر على تحوّل موازين النفوذ الإقليمي، برز سؤال مركزي: لماذا اختارت واشنطن الرباط تحديدًا للعب دور قيادي بدل عواصم أخرى أكثر قربًا جغرافيًا من بؤر التوتر؟
الإجابة لا ترتبط بلقطة بروتوكولية أو صورة سياسية عابرة، بل بمسار طويل من التراكمات الاستراتيجية التي بنت للمغرب رصيدًا من الثقة لدى صناع القرار في الولايات المتحدة.
الثقة لا تُمنح صدفة: كيف بنت الرباط موقعها؟
في العلاقات الدولية، معيار “القيادة” لا يُقاس بالشعارات أو الخطابات الإعلامية، بل بثلاثة عناصر أساسية: المصداقية، الاستقرار، والقدرة على التوسط بين أطراف متنازعة. وهذه العناصر تحديدًا هي ما راكمه المغرب خلال العقدين الأخيرين.
المملكة تبنّت دبلوماسية هادئة وغير صدامية، تتجنب الاصطفاف الحاد، وتحافظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف. هذا الأسلوب جعلها تُصنَّف كشريك “موثوق” وليس “طرفًا في النزاع”. بالنسبة لواشنطن، هذا النوع من الدول هو الأكثر ملاءمة لقيادة مبادرات السلام، لأن الوسيط لا يجب أن يكون مثيرًا للريبة.
العلاقة الخاصة مع واشنطن
العلاقات المغربية–الأمريكية ليست ظرفية أو مرتبطة بإدارة سياسية واحدة، بل هي من أقدم الشراكات في المنطقة. لكن خلال مرحلة ترامب تحديدًا، برز تقارب أوضح في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي.
الظهور المتكرر لوزير الخارجية ناصر بوريطة في لقاءات مباشرة رفيعة المستوى يعكس مستوى التنسيق السياسي العالي. في الدبلوماسية، القرب من دوائر القرار يعني أن الدولة ليست مجرد مشارك، بل طرف يُستشار في صياغة الحلول.
هذا الفارق بين “الحضور الشكلي” و“المشاركة في القرار” هو ما يفسر موقع المغرب المتقدم داخل أي مبادرة دولية تقودها واشنطن.
لماذا يفضّل صانع القرار الأمريكي المغرب؟
من زاوية تحليلية بحتة، يمكن تلخيص الأسباب في أربع نقاط رئيسية:
أولًا، الاستقرار الداخلي. المغرب يُنظر إليه كدولة مؤسسات مستقرة، وهو عامل أساسي عند اختيار شركاء في ملفات حساسة.
ثانيًا، الوضوح السياسي. الرباط لا تعتمد سياسة “اللعب على الحبلين”، بل تحافظ على مواقف معلنة ومتسقة.
ثالثًا، الخبرة في الوساطة. للمغرب سجل طويل في تقريب وجهات النظر إفريقيًا وعربيًا.
رابعًا، انخفاض الضجيج الإعلامي. العمل يتم غالبًا خلف الكواليس، وهو الأسلوب الذي تفضله القوى الكبرى.
هذه العناصر تجعل الشراكة مع المغرب أقل تكلفة سياسيًا وأكثر فاعلية عمليًا.
خلفيات الجدل الإعلامي في المنطقة
في المقابل، لم يمرّ هذا التقدم المغربي دون ردود فعل إعلامية في بعض الدول مثل قطر ومصر. غير أن قراءة هذا الجدل ينبغي أن تتم في إطار “التنافس على النفوذ الرمزي”، لا في إطار صراع حقيقي.
في المنطقة العربية، تلعب المكانة الدبلوماسية دورًا مهمًا في الصورة الداخلية والخارجية للدول. وعندما تبرز دولة ما كشريك مفضل لدى قوة عالمية كبرى، فإن ذلك يعيد ترتيب موازين التأثير، وهو ما يفسر حساسية بعض الخطابات الإعلامية.
لكن من منظور واقعي، المشاركة في أي تحالف لا تعني القيادة. القيادة تُمنح لمن يحظى بالثقة، لا لمن يرفع الصوت أعلى.
ما الذي يكسبه المغرب من هذا الدور؟
الاستفادة ليست رمزية فقط. بل تتجسد في: تعزيز المكانة الدولية للمملكة كشريك استراتيجي، وتقوية النفوذ التفاوضي في الملفات الإقليمية. بالإضافة إلى جذب استثمارات وشراكات أمنية واقتصادية أكبر وترسيخ صورة المغرب كوسيط سلام، لا كطرف صراع.
هذه المكاسب تتراكم على المدى الطويل وتنعكس مباشرة على الأمن الوطني والمصالح الاقتصادية.
بين الدبلوماسية الصامتة والضجيج الإعلامي
التجربة أظهرت أن النفوذ الحقيقي لا يصنعه الخطاب الحاد أو المنافسة الدعائية، بل تبنيه الثقة المتدرجة والعمل المؤسساتي. المغرب اختار هذا المسار منذ سنوات، ولذلك يجد نفسه اليوم في موقع متقدم داخل مبادرات السلام الدولية.
الأمر إذن ليس مفاجأة سياسية، بل نتيجة منطقية لمسار استراتيجي واضح.
اختيار المغرب لقيادة تحالف السلام لم يكن قرارًا عاطفيًا أو مجاملة دبلوماسية، بل تقييمًا براغماتيًا لشريك أثبت قدرته على التوازن والموثوقية. وفي عالم السياسة الدولية، هذه الصفات هي العملة الأندر والأكثر قيمة. لذلك، حين تبحث القوى الكبرى عن وسيط جاد، تتجه تلقائيًا نحو الدول التي تشتغل بصمت وتنجز بفعالية.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)