من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة المباريات، الاعتقاد بأن النتائج تُقاس بمنطق ثابت لا يتغير. كأن المباراة عملية حسابية بسيطة: فريق قوي يفوز دائمًا، وفريق ضعيف ينهزم دائمًا. هذا التصور، رغم انتشاره، يتجاهل قاعدة أساسية في كرة القدم: لا توجد مباراتان متشابهتان.
اختلاف الظروف، وطبيعة المنافس، وحجم الرهانات، والحالة الذهنية للاعبين، كلها عوامل تجعل كل مباراة قصة مستقلة بذاتها. لهذا، قد يظهر فريق بأداء باهت في مواجهة تبدو سهلة على الورق، ثم يعود ليقدّم مباراة كبيرة أمام خصم أقوى وفي ظرف أكثر تعقيدًا.
كرة القدم ليست جدول ضرب
الخلل يبدأ حين يُختزل التحليل في عبارات جاهزة من قبيل: “نحن فريق كبير نهزم الصغار وننهزم أمام الكبار”. هذا منطق تبسيطي لا يفسر شيئًا، ولا يساعد القارئ أو المشاهد على فهم ما يحدث داخل الملعب. كرة القدم ليست امتحان رياضيات، بل لعبة تفاصيل دقيقة، تحسمها أحيانًا قرارات صغيرة في توقيت حاسم.
قيمة أي فريق لا تُقاس فقط باسم الخصم، بل بجودة لاعبيه، وانسجامهم، وقدرة المدرب على توظيفهم وفق متطلبات كل مباراة. هنا يكمن الفارق بين التحليل الحقيقي والضجيج الإعلامي.
حين يتحول “التحليل” إلى ضجيج
المشكلة لا تكمن فقط في الرأي، بل في من يقدّمه. في السنوات الأخيرة، أصبح فضاء التحليل مفتوحًا على مصراعيه لأصوات تفتقر إلى التكوين والمعرفة الأساسية بكرة القدم، ومع ذلك تُنصّب نفسها مرجعًا، وتوزّع الأحكام والدروس بثقة مفرطة.
هذا النوع من الخطاب لا يضيف فهمًا، بل يربك المتلقي، ويخلق ضغطًا غير صحي على اللاعبين والجهاز التقني. التحليل الحقيقي لا يُقاس بارتفاع الصوت ولا بعدد الظهور في “البلاطوهات”، بل بعمق الفكرة ودقتها.
دروس لم تُستوعب بعد
لو استوعبنا دروس الماضي القريب، لما عدنا إلى نفس النقاشات العقيمة. وصول المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم 2022 لم يكن صدفة، ولم يكن نتيجة “حظ”، بل ثمرة عمل، وانضباط، وقرارات تقنية شجاعة، خالفت في وقتها كثيرًا من الأصوات المشككة.
ومع ذلك، يبدو أن بعض الخطابات لم تتغير. نفس الانتقادات، نفس الاستعجال في الأحكام، ونفس الرغبة في التقليل من أي مسار لا ينسجم مع قناعات جاهزة.
لكل واحد دوره
في النهاية، كرة القدم منظومة متكاملة. اللاعب يؤدي داخل الملعب، المدرب يخطط ويتخذ القرار، والجمهور يدعم، والإعلام من المفروض أن يشرح ويُحلل، لا أن يُشوش. حين يقوم كل طرف بدوره، يصبح الطريق نحو الهدف أوضح، وتتحول النجاحات إلى تراكم، لا إلى لحظة عابرة.
التاريخ لا يُكتب بالانطباعات السريعة، بل بالنتائج والمسارات. وسيبقى شاهدًا على من اشتغل بصمت، ومن اختار الصراخ بدل الفهم. أما كرة القدم، فستواصل تذكير الجميع بحقيقتها البسيطة: من لا يفهم تعقيدها، لن يفهم نتائجها.

التعاليق (0)