كلما ضاقت دوائر الفشل على الأنظمة المرتبكة، اتسعت خرائط “الأعداء” في خطابها الرسمي. هذا بالضبط ما يطفو على السطح في الحالة الجزائرية، حيث لم تعد أسطوانة “العدو الكلاسيكي” كافية لإقناع الداخل، فتم الانتقال إلى نسخة أكثر عبثية: “العدو الكوني”. من كندا إلى بريطانيا، ومن فرنسا إلى المغرب، أصبح العالم بأسره متَّهماً، في مسرحية سياسية تفتقد الحد الأدنى من المنطق، لكنها تؤدي وظيفة واحدة: الهروب من مواجهة الحقيقة.
من اختلاق العدو إلى تعميم العزلة
حين يقتنع نظام ما بأن كل العواصم تتآمر عليه، فالمشكلة لا تكون في هذه العواصم بقدر ما تكمن في عزلته وفشله في بناء علاقات دولية متوازنة. الدول التي تحترم نفسها تفرض مكانتها بالشراكات، بالاقتصاد، وبالاستقرار، لا بخطاب المظلومية الدائم. أما الأنظمة التي تعاني هشاشة داخلية، فتحتاج دائماً إلى “عدو” لتبرير تعثرها، ولو كان هذا العدو هو العالم بأسره.
شماعة الخارج… حين تغيب الأدلة
اللافت في الخطاب الجزائري الرسمي ليس فقط اتساع دائرة الاتهام، بل غياب أي سند مقنع. لا وثائق، لا معطيات ملموسة، ولا روايات متماسكة. مجرد تصريحات فضفاضة و”اعترافات” لا تصمد أمام أي نقاش جاد. في المقابل، يظل الواقع الاجتماعي والاقتصادي شاهداً: أزمات معيشية خانقة، بطالة، وهجرة يائسة لشباب يركب قوارب الموت نحو نفس الدول التي تُقدَّم يومياً كـ”قوى متآمرة”.
التناقض الذي لا يمكن إخفاؤه
أكثر ما يفضح هذا الخطاب هو تناقضه الصارخ. تُتَّهَم فرنسا وكندا وبريطانيا بالعداء، بينما يقف مسؤولون جزائريون في طوابير غير معلنة أمام سفارات هذه الدول. تُشيطَن العواصم الغربية في الإعلام، وتُودَع الأموال في بنوكها، ويُعالَج المرضى في مستشفياتها. هذا التناقض لا يسيء إلى الخارج بقدر ما يستخف بعقول الداخل.
عالم يتغير… وخطاب عالق في الماضي
العالم اليوم يتحدث بلغة الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والتحالفات الاقتصادية الكبرى. أما خطاب المؤامرة، فلم يعد سوى أداة استهلاكية فقدت صلاحيتها حتى لدى أكثر الشعوب صبراً. الإصرار على العيش في منطق الستينيات، واصطناع “أشباح” لتبرير القبضة الأمنية، لن يغيّر مسار التاريخ ولن يوقف حركة العالم.
الحقيقة التي لا تُخفى
من منظور مغربي، تبدو الصورة أكثر وضوحاً: المغرب يراكم بهدوء خياراته الاستراتيجية، بينما يصرّ الجار الشرقي على إدارة أزماته عبر تصدير الوهم. الحقيقة بسيطة ولا تحتاج خطابات مطوّلة: العدو ليس في لندن ولا في أوتاوا، بل في السياسات التي تصادر المستقبل وتستبدله ببيانات إعلامية جوفاء. زمن التخدير يقترب من نهايته، والواقع، مهما طال تجاهله، لا يمكن القفز فوقه.
قد تنجح نظرية المؤامرة مؤقتاً في تعبئة الخوف، لكنها تفشل دائماً أمام وعي الشعوب. والتاريخ علّمنا أن الدول لا تنهض باختلاق الأعداء، بل بمصالحة الداخل مع الحقيقة.

التعاليق (0)