في السنوات الأخيرة، لم يعد النقاش حول العلاقة بين المغرب وإسبانيا مقتصرًا على السياسة أو الاقتصاد، بل امتد بشكل واضح إلى المجال العسكري، حيث بدأت ملامح تحول تدريجي في ميزان القوى داخل غرب البحر الأبيض المتوسط تفرض نفسها على التحليلات الاستراتيجية.
السؤال الذي يطرحه عدد من المتابعين اليوم ليس بسيطًا: هل تشعر إسبانيا فعلًا بقلق من تسارع وتيرة التسلح المغربي؟
الجواب، وفق قراءة واقعية للمعطيات المتداولة، هو أن هناك مؤشرات جدية على قلق استراتيجي متزايد داخل الأوساط الإسبانية، لكنه قلق مرتبط بإعادة التوازن أكثر من كونه خوفًا مباشراً من مواجهة.
أول هذه المؤشرات يتعلق بالعنصر البشري. فالمغرب يتوفر على قوة عسكرية نشطة تقارب 200 ألف جندي، في حين لا يتجاوز عدد أفراد الجيش الإسباني حوالي 117 ألفًا، مع تسجيل خصاص يُقدّر بعشرات الآلاف مقارنة بالسقف القانوني. هذا الفارق العددي لا يُحسم وحده المعادلة، لكنه يعكس دينامية تعبئة مختلفة بين البلدين.
على مستوى القدرات التقنية، يبدو التحول أكثر وضوحًا. المغرب دخل خلال السنوات الأخيرة في مرحلة تحديث نوعي لقدراته العسكرية، خصوصًا في مجالات الطيران العسكري، الطائرات بدون طيار، وأنظمة الردع البري.
هذا التحديث لم يكن عشوائيًا، بل تم عبر شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا، ما سمح بنقل خبرات وتكنولوجيا متقدمة في وقت قياسي.
في المقابل، تواجه إسبانيا تحديات مرتبطة بتحديث بعض أنظمتها، خاصة في مجال الدرونات المسلحة وأنظمة الدفاع الجوي، حيث تشير تقارير إلى وجود فجوات تحتاج إلى استثمارات إضافية لتجاوزها. هذا التأخر النسبي لا يعني ضعفًا، لكنه يضع مدريد أمام ضغط زمني لإعادة التوازن.
العامل الجيوسياسي يزيد من حساسية الوضع. فمناطق مثل سبتة ومليلية تظل نقاطًا ذات رمزية استراتيجية، في حين أن القواعد العسكرية مثل مورون تلعب دورًا في التوازنات الأطلسية. أي تحول في طبيعة الدعم اللوجستي الأمريكي، أو إعادة توجيه الأولويات العسكرية في المنطقة، قد يعيد رسم قواعد اللعبة بشكل أعمق.
لكن من المهم التأكيد أن ما يحدث اليوم لا يعني بالضرورة اقتراب مواجهة، بل يعكس مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات.
المغرب يعتمد على استراتيجية واضحة تقوم على تنويع الشركاء وتعزيز الاستقلالية الدفاعية، بينما تجد إسبانيا نفسها مطالبة بتسريع وتيرة التحديث للحفاظ على موقعها التقليدي.
في النهاية، يمكن القول إن “القلق الإسباني” إن وُجد، فهو نابع من إدراك أن المبادرة العسكرية لم تعد حكرًا على طرف واحد. المغرب لم يعد مجرد فاعل إقليمي تقليدي، بل يتحول تدريجيًا إلى قوة عسكرية صاعدة في غرب المتوسط، وهو تحول يفرض على الجميع إعادة الحسابات، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا واستراتيجيًا أيضًا.

التعاليق (0)