أرقام جديدة كشف عنها مجلس المنافسة بخصوص واردات الغازوال والبنزين (المحروقات) خلال الربع الثالث من سنة 2025 تعيد النقاش إلى الواجهة حول بنية سوق المحروقات بالمغرب. فبينما ارتفعت الكميات المستوردة بشكل ملحوظ، سجلت القيمة الإجمالية للواردات تراجعًا طفيفًا، وهو معطى يبدو متناقضًا في الظاهر، لكنه يحمل دلالات اقتصادية عميقة تهم المواطن، والمالية العمومية، وسياسة التسعير.
ارتفاع الكميات… أول معطى لافت
حسب تقرير مجلس المنافسة، بلغت واردات الغازوال والبنزين 1,91 مليون طن خلال الربع الثالث من سنة 2025، بزيادة تفوق 12 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية. هذا الارتفاع يعكس بالأساس استمرار الطلب القوي على المحروقات، خاصة الغازوال، الذي يظل العمود الفقري للنقل والأنشطة الاقتصادية بالمغرب، مستحوذًا على 88 في المائة من حجم الواردات.
لماذا تنخفض القيمة رغم ارتفاع الواردات؟
المعطى الأهم في التقرير هو أن القيمة الإجمالية للواردات تراجعت بنسبة طفيفة، رغم استيراد كميات أكبر. هذا التطور يفسَّر أساسًا بانخفاض الأسعار الدولية للمحروقات خلال الفترة المعنية، ما سمح باستيراد كميات أكبر بكلفة أقل نسبيًا.
لكن هذا المعطى يطرح سؤالًا مشروعًا لدى المستهلك المغربي: إذا كانت كلفة الاستيراد انخفضت، إلى أي حد ينعكس ذلك فعليًا على الأسعار في محطات الوقود؟
هيمنة الغازوال… استمرار الاختلال البنيوي
تحليل الأرقام يؤكد استمرار هيمنة الغازوال، سواء من حيث الحجم أو القيمة أو المداخيل الجبائية. فالاقتصاد المغربي ما يزال يعتمد بشكل كبير على هذا النوع من الوقود، سواء في النقل الطرقي أو الفلاحة أو الصناعة.
في المقابل، ورغم أن البنزين يمثل حصة أقل، إلا أن وتيرة ارتفاع وارداته (أزيد من 16 في المائة) تشير إلى تحول تدريجي في أنماط الاستهلاك، خاصة في المدن الكبرى.
الشركات الكبرى… تركّز السوق ما يزال قائمًا
استحواذ تسع شركات فقط على حوالي 82 في المائة من واردات المحروقات يعكس درجة عالية من التركّز داخل السوق. ورغم أن هذا المعطى ليس جديدًا، إلا أنه يظل عنصرًا أساسيًا لفهم دينامية الأسعار وهوامش الربح، خاصة في سياق اتفاقات الصلح والتعهدات التي تراقبها مؤسسة مجلس المنافسة.
الضرائب: المستفيد الأول من ارتفاع الكميات
من زاوية المالية العمومية، تظهر الأرقام أن الدولة كانت المستفيد الأكبر من ارتفاع حجم الواردات. فقد بلغت المداخيل الجبائية 7,83 مليار درهم، بزيادة تقارب 9 في المائة، رغم تراجع قيمة الواردات.
ويعود ذلك أساسًا إلى الضريبة الداخلية على الاستهلاك، التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع الموارد الجبائية المحصلة من استيراد المحروقات. وهو ما يؤكد أن أي ارتفاع في الكميات المستوردة ينعكس مباشرة على مداخيل الدولة، حتى في فترات انخفاض الأسعار الدولية.
ماذا تعني هذه الأرقام للمواطن؟
الخلاصة التي تهم القارئ المغربي هي أن سوق المحروقات يعيش مفارقة واضحة:
- أسعار دولية أقل
- كميات مستوردة أكبر
- مداخيل ضريبية مرتفعة
لكن دون انعكاس دائم وواضح على أسعار البيع بالتقسيط.
وهنا تبرز أهمية دور مجلس المنافسة في تتبع التزامات الشركات، وتعزيز الشفافية، وضمان أن تتحول تحسنات السوق الدولية إلى مكاسب ملموسة للمستهلك، لا فقط إلى أرقام في التقارير.
وكخلاصة تكشف معطيات الربع الثالث من سنة 2025 أن سوق المحروقات بالمغرب يتأثر بقوة بالعوامل الخارجية، لكنه ما يزال محكومًا باختلالات داخلية مرتبطة بالتركيز الضريبي وهيمنة الفاعلين الكبار. وبين ارتفاع الواردات وانخفاض قيمتها، يبقى السؤال المركزي مطروحًا: متى يشعر المواطن فعليًا بنتائج هذه التحولات في محفظته اليومية؟
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)