وليد الركراكي… مدرب ينجح تحت ضغط لا يرحم

وليد الركراكي رياضة وليد الركراكي

في بلد تُتابَع فيه كرة القدم بشغف لا يعرف أنصاف الحلول، يصبح النجاح سلاحًا ذا حدّين. فكما يرفع صاحبه سريعًا، يضعه في مرمى الانتقاد الدائم. في هذا السياق المعقّد، يبرز اسم وليد الركراكي لا كمدرب حقق نتائج فقط، بل كرجل اختار الصمود والعمل الهادئ وسط ضغط لا يرحم.

ما وراء النتائج… مشروع وهوية

ما يميّز وليد الركراكي حقًا لا يُختزل في فوز أو خسارة. منذ تولّيه قيادة المنتخب الوطني، اشتغل على ما هو أعمق من لوحة النتائج: العقلية والهوية. أعاد تعريف معنى تمثيل القميص الوطني، ورسّخ فكرة أن المنتخب مشروع طويل النفس، لا رهينة مباراة أو بطولة واحدة.

تغيّر الخطاب حول “أسود الأطلس”، ولم يعد حضور المغرب في المحافل الكبرى يُقدَّم كاستثناء أو مفاجأة، بل كنتاج عمل متواصل ورؤية واضحة تحظى بالاحترام قارياً ودولياً.

إنجاز يحمل أكثر من دلالة

ولمن يختزل تجربة الركراكي في نقاشات ظرفية أو اختيارات تكتيكية عابرة، يكفي التوقف عند لحظة مفصلية: قيادته المنتخب الوطني إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، التي يحتضنها المغرب، بعد مواجهة قوية أمام نيجيريا في نصف النهائي، حُسمت بأعصاب باردة وتفاصيل دقيقة من نقطة الجزاء.
هذا التأهل لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة إدارة ذكية لمباراة كبيرة أمام خصم يعرف كيف يلعب تحت الضغط.

الأهم من ذلك أن هذا الإنجاز حمل بُعدًا رمزيًا نادرًا في تاريخ الكرة الوطنية. وليد الركراكي أصبح أول مغربي يبلغ نهائي كأس أمم إفريقيا كلاعب ومدرب. فقد عاش أجواء النهائي سنة 2004 لاعبًا داخل الملعب، قبل أن يعود بعد أكثر من عقدين ليقود جيلًا جديدًا من “أسود الأطلس” نحو نفس المحطة، لكن هذه المرة من المنطقة التقنية، مسخرًا تجربته وخبرته في خدمة المنتخب.

هذا الانتقال من حمل القميص داخل المستطيل الأخضر إلى قيادته من دكة البدلاء يعكس مسارًا استثنائيًا، ومدربًا يفهم المنتخب لا نظريًا، بل من داخله، بتاريخِه وضغوطِه وانتظارات جماهيره.

ضغط لا يتوقف وانتظارات بلا سقف

ورغم ذلك، لم يُمنح الركراكي هامش الخطأ. كل اختيار فني يتحوّل إلى محاكمة، وكل تعثر يُقدَّم كدليل فشل. النقد في كثير من الأحيان تجاوز التحليل التقني، ليصل إلى التشكيك والتقليل من أي منجز، وكأن المطلوب منه الانتصار الدائم دون اعتبار لطبيعة كرة القدم وتقلباتها.

هذا الضغط المستمر يكشف إشكالًا أعمق في علاقتنا بالنجاح: نحتفي به لحظة تحققه، ثم نطالبه بالكمال والاستمرارية المطلقة دون نفس طويل.

مدرب يربي قبل أن ينتصر

وسط هذه العاصفة، يواصل وليد الركراكي العمل بثبات. اختار الصمت بدل الدخول في معارك جانبية، والعمل بدل تبرير كل قرار. يدرك أن بناء الرجال يسبق بناء النتائج، وأن المنتخب القوي هو الذي يصمد عند التعثر قبل أن يفرح عند الفوز.
فالتاريخ، في النهاية، لا يُكتب بالصراخ، بل بالصبر والعمل المتواصل.

قد نختلف حول بعض اختيارات وليد الركراكي، لكن من الصعب إنكار حقيقة واحدة: الرجل يقود مشروعًا في واحدة من أصعب البيئات الكروية ضغطًا، ونجح في تثبيت اسم المغرب ضمن الكبار. وربما يكون إنجازه الأهم اليوم ليس فقط بلوغ النهائيات، بل القدرة على الاستمرار واقفًا حين يكون السقوط أسهل من الصمود.


  • تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً