تجاوز المغرب بنجاح امتحان تنظيم كأس إفريقيا، ليس فقط من حيث الجانب الرياضي، بل أيضًا على مستوى التنظيم، والأمن، والبنية التحتية. بطولة وُضعت خلالها تحديات كثيرة، بعضها ظاهر وبعضها الآخر غير معلن، إلا أن النتيجة النهائية أكدت قدرة المملكة على إدارة تظاهرة قارية معقدة، وتقديم نفسها كدولة مستقرة، آمنة، وقادرة على استضافة الأحداث الكبرى بثقة ومسؤولية.
تنظيم ناجح ورسائل تتجاوز كرة القدم
أثبتت تجربة كأس إفريقيا 2025 أن المغرب لم يعد يراكم الخبرة التنظيمية فقط، بل بات يستثمر فيها استراتيجيًا. فنجاح البطولة عزز صورة المملكة كوجهة قادرة على الجمع بين الجاهزية اللوجستية، وتطور البنية التحتية، وحسن التدبير، وهي عناصر تشكل اليوم رافعة أساسية في سباق استقطاب الاستثمارات والسياحة الكبرى.
هذا النجاح التنظيمي يكتسي أهمية مضاعفة، خاصة في أفق الاستعداد لكأس العالم 2030، حيث من المنتظر أن تعرف مشاريع البنية التحتية نقلة إضافية، بما ينعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني، وتنمية المدن، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات.
مكاسب اقتصادية واستراتيجية بعيدة المدى
خارج منطق النتائج الظرفية، يفتح هذا المسار آفاقًا أوسع، من بينها جذب مداخيل سياحية مستدامة، واستقطاب استثمارات صناعية، وتوطين تكنولوجيات حديثة، والانخراط بشكل أعمق في سلاسل التوريد العالمية. وهي عناصر تضمن، على المدى المتوسط والبعيد، موارد إضافية للدولة، وقدرة أكبر على تقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية أكثر توازنًا.
المنتخب الوطني: إخفاق رياضي أم حدود اختيارات؟
رياضيًا، لم يكن الإخفاق في التتويج القاري مرتبطًا بلقطة واحدة أو بضربة جزاء ضائعة، بقدر ما كان نتيجة اختيارات تقنية وتكتيكية أثرت على الأداء العام. فغياب الفعالية الهجومية، والتحفظ المبالغ فيه في بعض اللحظات الحاسمة، إضافة إلى محدودية الحلول أمام منتخبات قوية، كلها عوامل ساهمت في ضياع اللقب.
كما أن تدبير التغييرات، واستدعاء لاعبين لم يكونوا في الجاهزية البدنية المطلوبة، طرح تساؤلات مشروعة حول إدارة المرحلة، بعيدًا عن منطق جلد الذات أو التقليل من قيمة ما تحقق.
الاعتراف بالإنجاز دون تعطيل النقد
من الإنصاف التأكيد أن الناخب الوطني وليد الركراكي يظل صاحب إنجاز تاريخي، سواء ببلوغه نصف نهائي كأس العالم 2022 أو قيادته المنتخب إلى أول نهائي إفريقي منذ أكثر من عقدين. كما أنه كان عنصرًا أساسيًا في التحول الذهني الذي عرفته الكرة المغربية في السنوات الأخيرة.
غير أن هذا الاعتراف لا يمنع طرح سؤال التطور. فالمنتخب المغربي اليوم يزخر بمواهب استثنائية، قادرة على المنافسة بأساليب أكثر جرأة، وعلى تحقيق ألقاب قارية وعالمية، شريطة تطوير المقاربة التكتيكية بما يتناسب مع هذا الرصيد البشري.
ما بعد التنظيم وما بعد النتائج
إن التطور الكبير الذي تعرفه البنيات التحتية، والطموح المشروع لتحقيق الألقاب، يفترضان مواكبتهما بتحولين أساسيين:
أولهما، ترسيخ ثقة أكبر في الذات الوطنية، دون انغلاق أو قطيعة مع العالم، وثانيهما، تطوير إعلام وطني مهني، برأسمال وكفاءات قادرة على الدفاع عن المصالح العليا للبلاد، وتقديم قراءة متزنة للأحداث، بعيدًا عن التهويل أو التبخيس.
قد يُقاس النجاح في كرة القدم بالألقاب، لكنه في مسار الدول يُقاس بالقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. والمغرب، من خلال تجربة تنظيم كأس إفريقيا، أثبت أنه ربح رهانات استراتيجية تتجاوز نتيجة مباراة أو نهائي، واضعًا نفسه في موقع متقدم قبل استحقاقات أكبر قادمة.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)