دعوة إلى الوعي الرقمي: لماذا لا يجب أن نمنح المستفزين ما يبحثون عنه؟

دعوة إلى الوعي الرقمي بالمغرب آراء دعوة إلى الوعي الرقمي بالمغرب

لم يعد الجدل في زمن المنصات الرقمية مرتبطًا بالاختلاف في الرأي بقدر ما أصبح مرتبطًا بصناعة الاستفزاز. فهناك من يراهن على إثارة الغضب الجماعي كوسيلة للانتشار، مدركًا أن خوارزميات المنصات تكافئ التفاعل، مهما كان سلبيًا. وهنا يبرز سؤال أساسي: هل الردّ هو الحل… أم أن التجاهل أحيانًا أكثر فاعلية؟

حين يصبح الاستفزاز استراتيجية إعلامية

في المشهد الرياضي العربي، برزت خلال السنوات الأخيرة أصوات اعتادت إثارة الجدل أكثر من تحليل الأحداث. ومن بين النماذج التي كثيرًا ما تُستحضر في هذا السياق، المعلّق الرياضي حفيظ دراجي، الذي تحوّل عند فئة واسعة من المتابعين إلى عنوان دائم للاستفزاز بدل النقاش الهادئ.

القضية هنا لا تتعلق بشخصه فقط، بل بالنموذج: خطاب مشحون، عبارات انتقائية، ورسائل تُرمى في الفضاء الرقمي وهي تعلم مسبقًا أنها ستستفز جمهورًا بعينه، فتنهال التعليقات، وتشتعل الردود، ويتحقق الهدف الأساسي: الانتشار.

التفاعل الغاضب… الوقود الحقيقي للضجيج

المفارقة أن كثيرًا من هذا الجدل لم يكن ليصل إلى هذا الحجم لولا التفاعل المفرط معه. فكل تعليق غاضب، وكل مشاركة، وكل ردّ، يتحول تلقائيًا إلى دعم غير مباشر لهذا النوع من الخطاب.

في حالات كثيرة، لا يحتاج المستفِز إلى الدفاع عن أطروحته، لأن الجمهور الغاضب يتكفل برفعه إلى صدارة النقاش، حتى وإن كان ذلك على حساب الهدوء والموضوعية.

الوعي الرقمي: متى نردّ ومتى ننسحب؟

الوعي الرقمي لا يعني القبول بالإساءة، ولا التخلي عن المواقف الوطنية، بل يعني إدارة التفاعل بذكاء. فاختيار عدم الرد، أو الانسحاب من حسابات تستثمر في الاستفزاز، هو في حد ذاته موقف.

عندما يُحاصر خطاب الضجيج بالصمت، يفقد قيمته سريعًا، لأن خوارزميات المنصات لا تُكافئ الصمت، بل التفاعل. وهنا تكمن القوة الحقيقية للمستخدم الواعي.

المغرب أكبر من السجالات العابرة

المغرب، بثقله الرياضي والتاريخي، وبما راكمه من نجاحات تنظيمية وقيمية، لا يحتاج إلى الدخول في مهاترات رقمية لإثبات حضوره. قوته في رصانته، وفي وعي جمهوره الذي بات يدرك أن بعض المعارك لا تُربح بالرد، بل بتجاهلها تمامًا.

ليس كل ما يُقال يستحق جوابًا، وليس كل استفزاز يستحق معركة. أحيانًا، يكون الصمت الواعي أبلغ رد، وأقوى رسالة. وفي زمن الضجيج الرقمي، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الجماهير، لأنهم وحدهم من يملكون القدرة على تجفيف منابع الاستفزاز.

المغرب ينتصر حين يختار الهدوء، ويكسب حين يرفض أن يكون وقودًا لجدل لا يخدم سوى صانعيه.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً