لم تعد التحولات الجارية في غرب إفريقيا مجرد ارتدادات لانقلابات عسكرية أو أزمات داخلية عابرة، بل أصبحت تعكس إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة الإقليمية. في خضم هذا المشهد المتحرك، برز المغرب كفاعل مركزي لا يكتفي بالمراقبة، بل يصوغ معادلات جديدة على الأرض عبر دبلوماسية اقتصادية وأمنية متكاملة، جعلت من الرباط نقطة ارتكاز استراتيجية لدول الساحل الباحثة عن منافذ وسيادة أوسع.
تراجع النفوذ التقليدي وصعود البديل المغربي
خلال السنوات الأخيرة، تآكل الحضور الفرنسي التاريخي في المنطقة، وفقدت فرنسا جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير السياسي والأمني في عواصم الساحل. وفي المقابل، بدت المقاربة التي تدفع بها الجزائر عاجزة عن تقديم حلول عملية، سواء من حيث الممرات التجارية أو الضمانات الأمنية.
هذا الفراغ فتح الباب أمام المغرب لطرح نموذج مختلف، يقوم على الشراكة بدل الوصاية، وعلى الربط الاقتصادي بدل الاصطفاف الإيديولوجي، ما جعل عدداً من دول المنطقة ترى في الرباط شريكاً أكثر واقعية وأقل كلفة سياسياً.
المبادرة الأطلسية… من فكرة لوجستية إلى رافعة سياسية
العرض المغربي لم يكن مجرد تسهيلات عبور أو مشاريع بنية تحتية، بل تجسد في ما يُعرف بالمبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي. هذه الرؤية منحت دولاً حبيسة مثل مالي وبوركينا فاسو متنفساً استراتيجياً يخفف عنها ضغط العزلة الجغرافية والسياسية.
وبفضل شبكة علاقات الرباط الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة، حصلت هذه الدول على نوع من “المظلة الدبلوماسية” التي سهلت جذب استثمارات في قطاعات التعدين والطاقة، بمساهمات مغربية وخليجية وغربية. وهكذا تحولت الشراكة مع المغرب من مجرد تعاون ثنائي إلى بوابة اندماج أوسع في الاقتصاد العالمي.
مشاريع كبرى تعيد رسم الخريطة الاقتصادية
التحرك المغربي لم يبق نظرياً، بل تُرجم إلى مشاريع ميدانية تعزز موقع المملكة كممر إلزامي للتجارة والطاقة. من أبرزها ميناء الداخلة الأطلسي الذي يُرتقب أن يشكل منصة لوجستية ضخمة تربط إفريقيا بالأسواق الأطلسية، إلى جانب أنبوب الغاز المغربي النيجيري الذي قد يغير معادلة الطاقة في المنطقة بأكملها.
هذه المشاريع لا تمنح المغرب فقط نفوذاً اقتصادياً، بل تجعل منه عقدة عبور استراتيجية يصعب تجاوزها، وهو ما يفسر القلق المتزايد لدى بعض الدول التي كانت تعتبر نفسها تاريخياً بوابات للقارة.
ارتباك إقليمي وبحث عن بدائل صعبة
في المقابل، تجد دول أخرى نفسها أمام واقع جديد. فدول مثل السنغال التي كانت تراهن على موقعها الجغرافي كبوابة لغرب إفريقيا، بدأت تشعر بتراجع دورها مع صعود المحور الأطلسي المغربي. أما النيجر، فتواجه وضعاً أكثر تعقيداً في ظل هشاشة أمنية واقتصادية تجعل خياراتها محدودة.
وفي هذا السياق، تبدو محاولات البحث عن بدائل عبر التقارب مع الجزائر أقرب إلى تحركات ظرفية منها إلى استراتيجيات طويلة الأمد، خصوصاً أن تحديات الأمن واللوجستيك على الحدود الصحراوية تجعل أي وعود تجارية كبرى صعبة التحقيق على أرض الواقع.
لماذا يهم هذا التحول القارئ المغربي؟
هذه الدينامية ليست شأناً إفريقياً بعيداً، بل لها انعكاسات مباشرة على المغرب. فتعزيز موقع المملكة كبوابة للساحل يعني فرصاً أكبر للاستثمار والتشغيل والتجارة، ويكرس دور الرباط كقوة إقليمية قادرة على التأثير في محيطها بدل الاكتفاء برد الفعل. كما يمنح الدبلوماسية المغربية أوراق قوة إضافية في ملفات استراتيجية، وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية.
ما يحدث اليوم في غرب إفريقيا يؤكد أن النفوذ لم يعد يُبنى بالشعارات أو الاصطفافات، بل بالممرات والموانئ والمشاريع الملموسة. والمغرب، عبر رؤية تجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن، نجح في التحول من فاعل هامشي إلى محور توازن إقليمي. ومع استمرار هذه المقاربة، تبدو الرباط في موقع يسمح لها بقيادة مرحلة جديدة من التكامل الإفريقي القائم على المصالح المشتركة لا على الهيمنة.
تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)