كيف واجه الملك الحسن الثاني التهديد الإيراني بذكاء استراتيجي؟

الملك الحسن الثاني وعلم إيران مختارات الملك الحسن الثاني وعلم إيران

في خضم التحولات الجيوسياسية التي شهدها العالم بعد الثورة الإيرانية عام 1979، برز الملك الحسن الثاني كرمز للفطنة السياسية والوعي الاستراتيجي. لم يكن مجرد زعيم سياسي يتفاعل مع الأحداث، بل كان قادرًا على استشعار المخاطر قبل أن تتضح للرأي العام، واتخاذ خطوات عملية لحماية سيادة المغرب ووحدته الوطنية.

كيف واجه الملك الحسن الثاني التهديد الإيراني بذكاء استراتيجي؟

واجه الملك الحسن الثاني التهديد الإيراني بأسلوب يجمع بين الحزم السياسي والفطنة الدبلوماسية. فقد اعتمد على مراقبة دقيقة وتحليل مسبق لكل تحركات إيران في المنطقة، مع التركيز على أي مجموعات محلية قد تتأثر بتوجهات طهران. كما استخدم الخطاب الحازم والواضح لإيصال رسائل قوية لكل من الداخل والخارج، مؤكدًا رفض أي تدخل خارجي يهدد سيادة المغرب ووحدته الوطنية.

على الصعيد الدبلوماسي، حاول الملك القيام بوساطات سرية بين الشاه والخميني لتجنب التصعيد، وكلف مبعوثيه بمهام دقيقة لإقامة تواصل مع قيادة الثورة الإيرانية، كما بادر لاحقًا بإرسال أول سفير مغربي إلى إيران بعد وصول الخميني، مؤكدًا حرص المغرب على التواصل رغم التحولات الداخلية. ومع محاولات النظام الإيراني الجديد نشر المذهب الشيعي خارج أراضيه، اتخذ الحسن الثاني قرارات حاسمة مثل قطع العلاقات سنة 1980، بما يحمي المذهب المالكي ووحدة المملكة.

بهذه المزيجة بين الرؤية الاستراتيجية، الحزم، والذكاء الدبلوماسي، تمكن الحسن الثاني من حماية المغرب من أي نفوذ خارجي مبكر قبل أن يصبح تهديدًا جديًا.

علاقة شخصية بدأت بالاحترام المتبادل

قبل الثورة الإيرانية، كانت علاقة الحسن الثاني بإيران تتسم بالاحترام الشخصي المتبادل مع الشاه، الذي كان الملك يكن له تقديرًا كبيرًا ويعتبره الأقرب بين قادة العرب والمسلمين. وكان من الممكن أن تتطور هذه العلاقة لو لم تتسارع الأحداث في إيران، واندلعت الثورة الإسلامية بقيادة الخميني من منفاه بالعراق.

محاولات الوساطة السرية

حسب عبد الهادي بوطالب، المستشار الملكي آنذاك، حاول الحسن الثاني القيام بوساطة بين الشاه والخميني، حيث كلف بوطالب كمبعوث خاص للقاء الخميني في العراق. وقد كانت المهمة سرية، واستعان بوساطة الرئيس العراقي حسن البكر لتسهيل اللقاء، لكن الخميني كان على وشك مغادرة العراق، فانتهت المحاولة بالفشل.

ولم يكتف الملك بذلك، بل كلف وزيره الأول الأسبق مولاي أحمد العراقي، الذي كان يحظى بثقة الشيعة لكونه من آل البيت وأصله حسيني، بمحاولة ثانية، لكنها لم تسفر عن نتيجة. ففشل هذه الوساطات انعكس سلبًا على علاقة الحسن الثاني بالخميني، لكنها لم تمنع الملك من التعامل بذكاء مع التحولات الجديدة.

التعاطي الدبلوماسي مع الثورة الإيرانية

رغم سقوط نظام الشاه، لم يتخذ الملك الحسن الثاني أي موقف عدائي تجاه الثورة الإسلامية الإيرانية. بل بادر إلى إرسال سفيره عبد الهادي التازي إلى إيران، ليصبح أول سفير للمغرب خلال حكم الخميني. ويذكر التازي أن أول رمضان من 1979 شهد دعوة رئيس الوزراء الإيراني لحفل إفطار في مقر إقامته بطهران، في خطوة رمزية أظهرت الاحترام المتبادل بين الطرفين، إذ اعتبر الإيرانيون أن الملك الحسن الثاني كان من آل البيت ويحظى بمكانة خاصة.

التوتر بسبب تصدير الثورة والمذهب الشيعي

التحول السياسي داخل إيران كان شأنًا داخليًا بالنسبة للملك، إلا أن الأمور تغيرت مع محاولات النظام الإيراني الجديد نشر المذهب الشيعي في الدول الإسلامية، ومن ضمنها المغرب. كون الحسن الثاني أميرًا للمؤمنين وأحد المدافعين عن المذهب المالكي السني جعله في واجهة القادة الذين واجهوا بقوة محاولات إيران تصدير الثورة.

بعد عام على وصول الخميني، بدأت القطيعة الرسمية بين المغرب والجمهورية الإيرانية سنة 1980، خاصة بعد اعتراف إيران بجبهة البوليساريو الانفصالية، ما أضاف بعدًا دينيًا إلى التباين السياسي بين البلدين، وبلغت ذروتها سنة 1982 على خلفية تحريض الخميني على احتجاجات مر منها المغرب.

العودة التدريجية إلى الحوار والتعاون

مع مطلع التسعينيات، جنحت العلاقات نحو الهدوء، حيث تم تعيين قائمين بالأعمال سنة 1991، ثم رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفراء سنة 1993. واستمر التحسن لعقدين من الزمن، حتى أصبحت إيران أحد الزبائن الرئيسيين للفوسفاط المغربي، ما يبرز قدرة المغرب تحت قيادة الملك الحسن الثاني على الجمع بين الحزم والحكمة الدبلوماسية.

يبقى الملك الحسن الثاني في التاريخ المغربي نموذجًا للفهم الاستراتيجي العميق، والقدرة على قراءة نوايا القوى الأجنبية، والتصرف بحكمة قبل وقوع الأزمات. حنكته السياسية في مواجهة الخطر الإيراني، سواء على المستوى الشخصي أو الدبلوماسي، تظل درسًا للأجيال حول أهمية الرؤية الواضحة والرد الفعال لحماية سيادة المغرب ووحدته الوطنية.


  • تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً