رسالة إلى حكومة المنصوري المرتقبة.. إصلاح الصحة ومراجعة تعويضات العلاج اختبار حقيقي للحماية الاجتماعية

فاطمة الزهراء المنصوري آراء فاطمة الزهراء المنصوري

يعد إصلاح المنظومة الصحية ومراجعة التعريفة المرجعية الوطنية، التي لم تُحيّن منذ 2006، اختباراً حقيقياً لحكومة المنصوري المرتقبة لضمان حماية اجتماعية فعلية. يتطلب النجاح موازنة دقيقة بين تحسين تعويضات العلاج، وتقوية المستشفيات العمومية، وضبط أسعار الخدمات الطبية، لتقليص العبء المالي الذي يثقل كاهل الأسر. إن الهدف هو تحويل التغطية الصحية من مجرد إجراء قانوني إلى خدمة ملموسة تضمن للمواطن حق العلاج دون تهديد استقراره المالي، عبر إصلاحات هيكلية وشفافة ومستدامة.

مع اقتراب تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، تبرز ملفات اجتماعية ملحة تستدعي وضعها في مقدمة الأولويات، وفي مقدمتها إصلاح المنظومة الصحية ومراجعة نظام التعويض عن مصاريف العلاج، حتى لا تظل التغطية الصحية قائمة من الناحية القانونية، بينما يجد المواطن نفسه مضطراً إلى تحمل جزء كبير من نفقات العلاج من دخله ومدخراته.

فنجاح أي نظام للحماية الاجتماعية لا يقاس فقط بعدد الأشخاص المسجلين فيه، ولا بتوسيع قاعدة المستفيدين، بل بمدى قدرته على توفير علاج فعلي بتكلفة معقولة، وضمان حصول المريض على الخدمات الصحية دون أن تتحول الإصابة بمرض أو الحاجة إلى عملية جراحية إلى أزمة مالية للأسرة.

ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة الحكومية المقبلة مطالبة بالتعامل مع إصلاح الصحة باعتباره ورشاً متكاملاً، يجمع بين تحسين المستشفيات العمومية، وتطوير خدمات العلاج، ومراجعة التعويضات، وضبط العلاقة بين التعريفة المرجعية والتكلفة الفعلية للخدمات الطبية.

تعريفة مرجعية تعود إلى سنة 2006

من أبرز الإشكالات التي تواجه نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض استمرار العمل بتعريفة مرجعية وطنية لم تعرف تحييناً شاملاً منذ سنة 2006، وفق ما ورد في تقارير رسمية وتقارير رقابية منشورة.

وتكمن المشكلة في أن هذه التعريفة تُستخدم أساساً لحساب المبالغ التي يتحملها نظام التأمين، بينما قد تكون التكلفة الفعلية للاستشارة الطبية أو الفحص أو العلاج أعلى بكثير من المبلغ المرجعي المعتمد للتعويض.

وعندما يؤدي المريض مقابلاً مالياً يفوق التعريفة المرجعية، فإن التعويض لا يغطي بالضرورة التكلفة التي دفعها فعلياً، حتى عندما تكون الخدمة الطبية مشمولة بالتغطية الصحية.

وهنا تظهر الفجوة بين نسبة التعويض المعلنة وما يستفيد منه المواطن على أرض الواقع. فقد تكون نسبة التغطية محددة قانونياً في 80% من التعريفة المرجعية لبعض الخدمات، لكن ذلك لا يعني أن المريض سيسترجع 80% من المبلغ الذي دفعه للطبيب أو مقدم الخدمة الصحية إذا كانت الفاتورة أعلى من التعريفة المعتمدة.

وهذا الفرق يستحق أن يكون في صلب النقاش العمومي حول إصلاح التأمين الصحي، لأنه يفسر جانباً من استمرار العبء المالي على الأسر رغم انخراطها في نظام التغطية الصحية.

المواطن يتحمل جزءاً مهماً من تكاليف العلاج

تزداد أهمية مراجعة التعريفة المرجعية عند النظر إلى الأرقام المرتبطة بالباقي الذي يؤديه المؤمنون من جيوبهم. فقد أورد تقرير صحفي استناداً إلى معطيات المجلس الأعلى للحسابات أن هذا العبء تراوح بين 30 و37% من تكاليف العلاج المفوترة سنة 2023، وبلغ 34% سنة 2024.

ولا تعني هذه النسب أن كل مريض يتحمل الحصة نفسها، إذ تختلف المصاريف بحسب نوع العلاج والمرض والتعريفة المعتمدة ونظام التأمين الذي يستفيد منه الشخص. لكنها تعطي مؤشراً على حجم المبالغ التي قد تظل خارج التعويض، وتوضح أن توسيع التغطية الصحية لا يلغي تلقائياً العبء المالي الذي يتحمله المرضى.

وتصبح المشكلة أكثر حدة عندما يتعلق الأمر بالأمراض المزمنة أو العلاجات المكلفة أو الفحوصات المتكررة، لأن المريض لا يؤدي المصاريف مرة واحدة، بل قد يضطر إلى تحملها على مدى أشهر أو سنوات.

وبالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، يمكن لهذه النفقات المتكررة أن تؤثر في قدرتها على تلبية حاجيات أخرى، أو تدفع بعض المرضى إلى تأجيل الفحوصات والعلاجات بسبب التكلفة.

مراجعة التعويضات لا تعني رفع الأسعار بلا ضوابط

إن الدعوة إلى تحيين التعريفة المرجعية الوطنية لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مجرد مطالبة برفع المبالغ المعتمدة للتعويض، بل باعتبارها فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين تكلفة الخدمات الطبية، ونسب التغطية، وجودة العلاج، والقدرة المالية لأنظمة التأمين.

فالمطلوب هو مراجعة علمية ومنتظمة للتعريفة، تستند إلى معطيات واقعية حول تكلفة الاستشارات والفحوصات والأدوية والعلاجات، مع مراعاة الفوارق بين الخدمات الطبية وتطور التجهيزات والتقنيات المستخدمة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل المراجعة عن ضرورة ضبط أسعار الخدمات الصحية وتعزيز الشفافية في الفوترة، حتى لا يتحول رفع التعويضات إلى زيادة غير مضبوطة في التكاليف التي يتحملها النظام والمواطن معاً.

كما أن أي إصلاح ينبغي أن يحدد بوضوح الخدمات التي تحتاج إلى مراجعة عاجلة، مع إعطاء أهمية خاصة للعلاجات الضرورية والأمراض المزمنة والمكلفة، حيث تكون الآثار المالية على المريض أكثر استمرارية.

إصلاح الصحة يبدأ أيضاً من المستشفيات العمومية

لا يمكن اختزال إصلاح المنظومة الصحية في التعويض عن مصاريف العلاج، مهما بلغت أهميته. فالمواطن يحتاج كذلك إلى مستشفى عمومي قادر على استقباله في الوقت المناسب، وإلى مواعيد معقولة للفحوصات، وتوفر الأدوية والتجهيزات والموارد البشرية.

وعندما يضطر المريض إلى اللجوء إلى القطاع الخاص بسبب صعوبة الحصول على الخدمة في القطاع العمومي، فإنه يجد نفسه أمام تكاليف إضافية قد لا يغطيها نظام التأمين بالكامل.

لذلك، فإن تحسين التعويضات ينبغي أن يسير بالتوازي مع تقوية المستشفيات العمومية، وتطوير الرعاية الصحية الأولية، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين توزيع الأطباء والأطر التمريضية بين المدن والمناطق القروية.

كما أن الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر وتتبع الأمراض المزمنة يمكن أن يخفف، على المدى الطويل، من المضاعفات الصحية والتكاليف التي تتحملها الأسر وأنظمة التأمين.

تسريع ملفات التعويض وتعزيز الشفافية

إلى جانب قيمة التعويض، تظل سرعة معالجة ملفات المرض عاملاً مؤثراً في تجربة المؤمنين. فالمريض الذي يؤدي مصاريف العلاج من ماله الخاص يحتاج إلى استرجاع الجزء المستحق في آجال واضحة، لا إلى الانتظار الطويل أو التعامل مع إجراءات معقدة.

ومن شأن رقمنة المساطر، وتبسيط الوثائق المطلوبة، وتوضيح أسباب رفض الملفات أو تخفيض التعويضات، أن تجعل العلاقة بين المؤمنين والهيئات المدبرة أكثر شفافية وفعالية.

كما يتعين نشر مؤشرات دورية حول آجال معالجة الملفات، ونسب الرفض، ومبالغ التعويض، وحجم النفقات التي تبقى على عاتق المرضى، بما يسمح بتقييم أداء المنظومة على أساس معطيات قابلة للقياس.

فالإصلاح لا يقتصر على تغيير النصوص والتعريفات، بل يشمل أيضاً تحسين الخدمة التي يتلقاها المواطن عندما يحتاج إلى العلاج.

تمويل مستدام وحماية فعلية للمريض

تواجه أنظمة التأمين الصحي تحدياً مزدوجاً: توسيع الحماية المالية للمؤمنين، والحفاظ في الوقت نفسه على التوازن المالي للصناديق واستمرارية خدماتها.

ولهذا، فإن مراجعة التعريفة المرجعية ونسب التعويض تحتاج إلى دراسة مالية دقيقة تحدد كلفة الإصلاح ومصادر تمويله، مع تحسين تدبير النفقات ومراقبة الفوترة ومحاربة الغش والتجاوزات، وتعزيز التعاقد مع مقدمي الخدمات الصحية وفق قواعد واضحة.

كما ينبغي أن تكون القرارات الجديدة قابلة للتقييم، عبر تحديد أهداف زمنية ومؤشرات لقياس أثرها على المبالغ التي يؤديها المرضى، وجودة الخدمات، وآجال التعويض، والاستدامة المالية.

فالغاية ليست رفع النفقات الصحية بلا حدود، بل ضمان أن تتحول الموارد المتاحة إلى حماية فعلية للمواطن، وأن لا يصبح المرض سبباً في استنزاف مدخرات الأسرة أو حرمان المريض من العلاج الذي يحتاج إليه.

رسالة إلى الحكومة المنصوري

إن إصلاح المنظومة الصحية ومراجعة تعويضات العلاج يمثلان اختباراً عملياً لمدى قدرة الحكومة المقبلة على تحويل ورش الحماية الاجتماعية من توسيع التسجيل والاستفادة القانونية إلى تحسين ملموس في حياة المواطنين.

والمطلوب من حكومة فاطمة الزهراء المنصوري المرتقبة أن تضع هذا الملف ضمن أولويات برنامجها، عبر تحيين التعريفة المرجعية الوطنية، ومراجعة نسب التعويض وفق دراسة واضحة، وتقوية المستشفيات العمومية، وضبط أسعار الخدمات الطبية، وتبسيط إجراءات استرجاع المصاريف.

كما أن نجاح هذا الورش يحتاج إلى حوار منتظم مع الهيئات المدبرة للتأمين الصحي وممثلي الأطباء والمؤسسات العلاجية والمرضى، حتى تستند الإصلاحات إلى تشخيص واقعي للمشكلات وإلى حلول قابلة للتطبيق.

فالتغطية الصحية ليست مجرد بطاقة أو تسجيل في نظام تأمين، بل هي ضمانة يفترض أن يشعر المواطن بأثرها عندما يمرض ويحتاج إلى العلاج.

إن المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح الصحي هو أن يستطيع المواطن الحصول على العلاج الذي يحتاج إليه، دون أن تتحول تكلفته إلى عبء يهدد استقرار أسرته المالي.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً