في كرة القدم، الهزيمة واردة، بل ضرورية أحيانًا لبناء منتخبات قوية. غير أن الإشكال يبدأ حين تتحول الخسارة من لحظة مراجعة تقنية إلى خطاب دائم عن “الاستهداف” و”المؤامرة”. هذا ما يطفو على السطح في كل مرة يُقصى فيها منتخب الجزائر، حيث يغيب التحليل الهادئ، ويحل محله منطق الضحية، وكأن القارة الإفريقية بأكملها تجتمع سرًا لإسقاط منتخب واحد.
عندما يصبح “الاستهداف” تفسيرًا جاهزًا
السؤال الذي يفرض نفسه ببرودة العقل: هل يعقل أن يكون منتخب ما محور مؤامرة قارية دائمة؟ كرة القدم الإفريقية، رغم اختلالاتها، لا تُدار بمنطق تصفية الحسابات مع طرف بعينه. المنتخبات تُقصى لأنها أخفقت تكتيكيًا، بدنيًا أو ذهنيًا، لا لأنها “غير مرغوب فيها”. تحويل كل فشل إلى “استهداف” لا يعكس قوة، بل يعكس عجزًا عن مواجهة الواقع كما هو.
التحكيم… قراءة انتقائية
التحكيم جزء من اللعبة، وأخطاؤه لا تُنكر. لكن المثير للانتباه هو الانتقائية في التعامل معه. عندما تخدم القرارات المنتخب، يسود الصمت أو التبرير، وحين تأتي ضده، تتحول فجأة إلى “فضيحة كبرى”. نهائي 2019 مثال واضح في الذاكرة الكروية الإفريقية، حيث أثير جدل واسع حول قرارات حاسمة، دون أن نسمع آنذاك خطاب المظلومية ذاته. هذا التناقض يفرغ أي احتجاج من مصداقيته.
الهزيمة أمام “الأضعف” ليست مؤامرة
كرة القدم الإفريقية تغيّرت. منتخبات كانت تُصنّف سابقًا في الصف الثاني باتت اليوم تملك لاعبين محترفين، وانضباطًا تكتيكيًا، وطموحًا مشروعًا. الخسارة أمام هذه المنتخبات ليست إهانة، بل إنكارها هو المشكلة. من يرفض الاعتراف بأن الفوارق تقلصت، سيبقى أسير الماضي، مهما كان اسمه أو تاريخه.
الإعلام ودوره في تكريس الأزمة
بدل أن يقود الإعلام نقاشًا نقديًا جادًا، يفضّل جزء منه تغذية العاطفة الجماهيرية بقصص “الاستهداف” و”الكواليس”. هذا الخطاب لا يحمي منتخب الجزائر، بل يخدّره. الجماهير تُمنح مبررات جاهزة، والخلل الحقيقي يُرحّل من بطولة إلى أخرى. في المقابل، تُظهر تجارب كروية ناجحة في القارة أن النقد الصارم، لا التبرير، هو بوابة البناء.
أين المشروع؟
السؤال الجوهري ليس: من ظلم منتخب الجزائر؟ بل: ما هو مشروعه؟ كرة القدم الحديثة لا تُدار بردود الفعل، بل بالاستثمار في التكوين، الاستقرار التقني، والحوكمة. المنتخبات التي تتقدم تفعل ذلك بصمت، بينما من يغرق في خطاب الضحية يستهلك طاقته في الصراخ بدل العمل.
الهزيمة في الميدان شرف رياضي، أما الهزيمة في الذهنيات فهي الخطر الحقيقي. الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل أول شروط العودة. من يريد أن يكون كبيرًا، عليه أن يتحمل مسؤولية إخفاقه قبل البحث عن شماعات خارجية. كرة القدم لا تكافئ من يلعب دور الضحية، بل من يملك شجاعة النظر في المرآة، ثم يبدأ من جديد.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)