ليست كل الأرقام التي تُتداول عن أسعار الأضاحي حقيقية… وبعض “الروبورتاجات” التي تبدو عفوية قد تكون جزءاً من لعبة أكبر.
ومع اقتراب عيد الأضحى، بدأت إشارات مقلقة تظهر: فيديوهات متشابهة، نفس الخطاب، ونفس الرسالة—“الأسعار ملتهبة”—لكن ما الذي يجري فعلياً خلف الكاميرا؟
موسم حساس… وفرصة للمضاربة
عيد الأضحى ليس مجرد مناسبة دينية، بل موسم اقتصادي ضخم تتحرك فيه مليارات الدراهم داخل سوق الأغنام. هذا الحجم المالي يجعل السوق هدفاً مثالياً للمضاربين، خاصة بعد تداعيات السنة الماضية التي عرفت جدلاً واسعاً حول شعيرة الذبح.
في هذا السياق، برزت تحركات مبكرة لما يُعرف بـ“شناقة” السوق، الذين يسعون إلى فرض واقع جديد قبل أن تتضح الصورة الحقيقية للعرض والطلب. الهدف واضح: خلق انطباع عام بوجود غلاء كبير، حتى قبل أن يبدأ البيع الفعلي على نطاق واسع.
ما وراء “فيديوهات السوق”؟ عندما تتحول الإشاعة إلى أداة
اللافت هذه السنة ليس فقط الحديث عن ارتفاع الأسعار، بل الطريقة التي يتم بها الترويج لذلك.
عدد من صناع المحتوى على منصات التواصل دخلوا على الخط، من خلال فيديوهات تبدو كأنها “نقل مباشر لحقيقة السوق”، لكنها في الواقع—حسب معطيات متداولة—جزء من حملة منظمة.
السيناريو يتكرر: تصوير داخل سوق أسبوعي أو ضيعة.. شخص يقدم نفسه كـ“كساب” يشتكي من غلاء العلف.. “زبون” يفاوض ويُفاجأ بأسعار مرتفعة، خلاصة واحدة: لا يمكن شراء أضحية بأقل من 2500 إلى 3000 درهم
لكن هذه المشاهد، التي تبدو عفوية، يُشتبه في كونها مُعدة سلفاً لخدمة هدف واحد: ترسيخ فكرة الغلاء في ذهن المواطن.
من المتضرر الحقيقي؟ الفلاح الصغير في الواجهة… والمحتكر في الخلفية
في خضم هذه الضوضاء، يختفي الفاعل الحقيقي خلف الستار. الفلاح الصغير، أو “الكساب”، يجد نفسه الحلقة الأضعف: يعاني من ارتفاع كلفة الأعلاف ويبيع قطيعه مبكراً لتفادي الخسارة ثم يفقد السيطرة على السعر النهائي.
في المقابل، يدخل كبار المضاربين على الخط، يشترون القطيع بكميات كبيرة، يعيدون تسمينه، ثم يطرحونه في السوق بأسعار مرتفعة، مستفيدين من “الصورة الذهنية” التي تم تسويقها مسبقاً عبر الإنترنت.
هل نحن أمام “احتكار ناعم”؟
ما يحدث لا يشبه الاحتكار التقليدي المباشر، بل نموذج أكثر تعقيداً: التأثير على الرأي العام أولاً وخلق توقع جماعي بارتفاع الأسعار وكذلك دفع المستهلك لتقبل السعر المرتفع كأمر واقع.
هذا النوع من “الاحتكار الناعم” يعتمد على الإعلام الرقمي أكثر من اعتماده على السوق نفسه، وهو ما يجعل مواجهته أكثر صعوبة.
معركة الوعي قبل معركة الأسعار
بين ما يُقال في الفيديوهات وما يحدث فعلياً في الأسواق، مساحة كبيرة من الشك تحتاج إلى وعي المستهلك.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل نحن أمام ارتفاع حقيقي في الأسعار، أم أمام “حملة ذكية” لتهيئة السوق نفسياً قبل التحكم فيه مادياً؟
الأيام القادمة وحدها ستكشف الحقيقة… لكن الأكيد أن معركة عيد الأضحى هذه السنة قد لا تُحسم في الأسواق، بل على شاشات الهواتف.

التعاليق (0)