مع اقتراب فصل الصيف، يضع المغرب حماية مجاله الغابوي على رأس الأولويات الوطنية، نظراً لما تمثله هذه النظم البيئية من إرث طبيعي حيوي يواجه ضغوطاً متزايدة.
وتأتي هذه التعبئة في وقت تزداد فيه هشاشة الغابات المغربية نتيجة التغيرات المناخية التي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض الرطوبة، فضلاً عن التأثير المباشر لرياح “الشرقي” الحارة التي تساهم بشكل كبير في تسريع انتشار النيران بمجرد اندلاعها.
ومن هذا المنطلق، باشرت اللجنة المديرية الوطنية المكلفة بالوقاية من حرائق الغابات ومكافحتها تحضيراتها الاستباقية لموسم 2026، مستندة إلى رؤية توازن بين التدخل التقني الميداني والتوعية المجتمعية الشاملة.
الاستثمار في الوقاية والجاهزية الميدانية
لمواجهة هذه المخاطر، رصدت الوكالة الوطنية للمياه والغابات غلافاً مالياً مهماً يقدر بـ 153 مليون درهم، وهو استثمار يهدف بالأساس إلى تعزيز منظومة الوقاية والرفع من كفاءة التدخلات الميدانية.
ويتجسد هذا المخطط العملي في تهيئة وتجهيز البنيات التحتية الغابوية، عبر صيانة المسالك التي تسهل وصول فرق الإطفاء، وفتح مصدات النار التي تمنع تمدد النيران بين الكتل الغابوية الكثيفة.
كما تشمل هذه الاستعدادات تهيئة نقط الماء وتجهيز أبراج المراقبة لضمان رصد أي بؤرة حريق في مراحلها الأولى، بالإضافة إلى تعزيز الوسائل اللوجستيكية والموارد البشرية لضمان استجابة سريعة وفعالة في مختلف أقاليم المملكة.
تنسيق وطني محكم وحصيلة تبعث على اليقظة
تعتمد القوة الضاربة للمغرب في مواجهة الحرائق على تنسيق وثيق يجمع بين وزارة الداخلية، والوكالة الوطنية للمياه والغابات، والوقاية المدنية، والدرك الملكي، إلى جانب الدعم الجوي والبري من القوات المسلحة الملكية والقوات المساعدة.
وقد أثبت هذا التعاون نجاعته خلال العام الماضي، حيث تم التحكم في 94% من الحرائق قبل أن تتجاوز مساحتها 5 هكتارات، رغم الصعوبات المناخية التي ميزت بعض الفترات الحرجة.
وبالرغم من التراجع الملحوظ في إجمالي المساحات المتضررة وطنياً بنسبة 65% مقارنة بالعشر سنوات الأخيرة، إلا أن المعطيات تشير إلى ضرورة مضاعفة الحذر في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي استأثرت وحدها بـ 89% من المساحات المحترقة على الصعيد الوطني.
المواطن كشريك أساسي في حماية البيئة
تظل الحلقة الأهم في سلسلة حماية الغابات هي الوعي البشري، حيث تؤكد الإحصائيات أن غالبية الحرائق تعود لأسباب مرتبطة بنشاط الإنسان.
لذا، فإن الجهود المؤسساتية تظل منقوصة ما لم تقترن بمسؤولية فردية من قبل المواطنين ومرتادي الغابات، خاصة خلال فترة الصيف التي تتطلب تجنباً تاماً لاستعمال النار داخل الفضاءات الغابوية.
إن الثقافة الاستباقية، التي تسعى الوكالة لنشرها من خلال حملات التحسيس التي استهدفت آلاف المستفيدين، تهدف إلى جعل كل مواطن خفيراً على غاباته، يبادر بالتبليغ الفوري عن أي خطر ويتحلى بأقصى درجات الحذر، لضمان استدامة هذه الرئة الخضراء وحمايتها من الزوال.

التعاليق (0)