ألمانيا تنتقل من الدعم إلى الفعل: موقف جديد يقوي مبادرة الحكم الذاتي المغربية

وزير خارجية ألمانيا وناصر بوريطة ـ صورة أرشيفية ـ مختارات وزير خارجية ألمانيا وناصر بوريطة ـ صورة أرشيفية ـ

في خطوة تحمل أكثر من دلالة، لم تكتفِ ألمانيا هذه المرة بتجديد موقفها السياسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تقدّمًا يقوم على تفعيل هذا الدعم بشكل عملي، سواء على الصعيد الدبلوماسي أو الاقتصادي.

هذا التحول يعكس بوضوح أن برلين لم تعد تنظر إلى المبادرة المغربية كخيار من بين خيارات، بل كإطار واقعي وجدي لتسوية نزاع طال أمده.

الإعلان المشترك الصادر عقب الدورة الثانية للحوار الاستراتيجي بين الرباط وبرلين، برئاسة ناصر بوريطة ونظيره الألماني، يكشف أن العلاقات بين البلدين تجاوزت مرحلة إعادة الدفء الدبلوماسي، لتدخل طور الشراكة الاستراتيجية ذات الأبعاد المتعددة، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الرهانات السياسية الكبرى، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية.

القيمة المضافة في هذا الموقف الألماني لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته وسياقه الدولي. فالقوى الأوروبية الكبرى أصبحت تميل بشكل متزايد نحو تبني مقاربات براغماتية قائمة على الاستقرار والواقعية، بدل الاستمرار في دعم أطروحات فقدت ارتباطها بميزان القوى الحالي.

ومن هنا، فإن انتقال ألمانيا إلى تفعيل موقفها يعني عمليًا انخراطها في الدينامية الدولية التي تقودها الرباط، والتي تقوم على تحويل الدعم السياسي إلى شراكات ملموسة واستثمارات موجهة نحو الأقاليم الجنوبية.

كما أن هذا التطور يعكس مستوى متقدمًا من الثقة بين المغرب وألمانيا، خصوصًا بعد مرحلة من التوتر الدبلوماسي في السنوات الماضية. اليوم، يبدو أن الطرفين اختارا البناء على المصالح المشتركة، مع إدراك ألماني متزايد لأهمية المغرب كشريك استراتيجي في شمال إفريقيا، سواء في ما يتعلق بالاستقرار الإقليمي، أو بالطاقة، أو بالاستثمار.

في العمق، الرسالة التي يحملها هذا التحول الألماني تتجاوز العلاقات الثنائية، لتصل إلى باقي الفاعلين الدوليين: المرحلة لم تعد مرحلة مواقف رمزية، بل مرحلة اصطفاف عملي خلف الحلول الواقعية.

ومبادرة الحكم الذاتي، التي راكمت دعمًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، تترسخ تدريجيًا كالإطار الوحيد القابل للتنفيذ، في مقابل تراجع واضح للأطروحات الانفصالية التي لم تعد تجد لها صدى في الحسابات الجيوسياسية الراهنة.

بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الموقف الألماني إلا كجزء من مسار أوسع يعيد تشكيل خريطة المواقف الدولية، حيث تتقدم المقاربة المغربية بثبات، مدعومة بمنطق الدولة، ووضوح الرؤية، وقدرة متزايدة على تحويل الدعم السياسي إلى مكاسب استراتيجية على الأرض.


التعاليق (0)

اترك تعليقاً