أصدرت الهيئة العليا للتخطيط في المغرب، بتعاون مع البنك المركزي والبنك الدولي، تقريرا اقتصاديا جديدا يرصد تطورات الأسعار وسلوك الاستهلاك داخل المملكة خلال سنة 2026، مقدما صورة دقيقة عن مرحلة تتسم بتراجع نسبي في التضخم، مقابل ضغوط واضحة في بعض القطاعات الحيوية، خاصة الطاقة والمواد الغذائية الطازجة.
يشير التقرير إلى أن التضخم الوطني عرف انخفاضا تدريجيا بعد سنوات من الارتفاع، حيث سجل مؤشر أسعار المستهلك تراجعا سنويا بنسبة 0.8% في يناير 2026، تلاه انخفاض إضافي بنسبة 0.6% في فبراير، ما يعكس دخول الاقتصاد مرحلة انكماش معتدل في مستويات الأسعار.
ويُعزى هذا التراجع أساسا إلى انخفاض أسعار مجموعة من السلع الأساسية، من بينها الزيوت النباتية التي تراجعت بنحو 14.3%، واللحوم التي انخفضت بحوالي 7.4%، إضافة إلى تراجع نسبي في قطاعات النقل والاتصالات والملابس، وهو ما ساهم في تخفيف الضغط العام على ميزانيات الأسر.
ورغم هذا الاتجاه التراجعي العام، يكشف التقرير عن مفارقة لافتة في بنية الأسعار، حيث سجلت بعض المواد ارتفاعات قوية عكست اختلالات موسمية وهيكلية في السوق. فقد ارتفعت أسعار المأكولات البحرية بنسبة تجاوزت 15%، كما سجلت الخضروات ارتفاعا يقارب 14.4%، إلى جانب زيادات متفاوتة في أسعار الفواكه والشاي وخدمات المطاعم والإيواء والخدمات التعليمية.
ويعود ذلك إلى تقلبات العرض والطلب، وتكاليف النقل، إضافة إلى تأثيرات المواسم الفلاحية، حيث أصبحت بعض الخضروات في فترات معينة تنافس أسعار اللحوم، ما زاد من الضغط على المستهلك
وفي موازاة ذلك، تبرز الطاقة كأحد أهم مصادر التوتر في منظومة الأسعار بالمغرب. فقد تجاوز سعر البنزين والديزل 15 درهما للتر في أبريل 2026، وهو أعلى مستوى يتم تسجيله منذ سنوات، ما انعكس مباشرة على تكاليف النقل والتنقل اليومي، ورفع كلفة الإنتاج في قطاعات حيوية مثل البناء والصناعة والخدمات اللوجستية.
وتشير المعطيات إلى أن فواتير الطاقة أصبحت تمثل ما يقارب 7% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يجعلها عبئا اقتصاديا متزايدا على الدولة والأسر في آن واحد.
وفي قطاع السكن، يبرز التقرير تفاوتا واضحا بين المدن الكبرى وباقي المناطق. ففي مدن مثل الدار البيضاء والرباط، تتراوح كلفة كراء شقة متوسطة بين 3000 و5000 درهم شهريا، بينما ترتفع في الشقق المجهزة أو الفاخرة إلى مستويات أعلى.
وتضاف إلى ذلك تكاليف الخدمات الأساسية التي قد تصل إلى أكثر من ألف درهم شهريا، ما يجعل السكن أحد أكبر بنود الإنفاق بالنسبة للطبقة المتوسطة. في المقابل، تبقى المدن الداخلية أكثر اعتدالا من حيث الكلفة، حيث تنخفض المصاريف إلى حدود النصف تقريبا مقارنة بالمدن الكبرى.
كما يسجل التقرير ارتفاعا تدريجيا في تكاليف السكن والخدمات المرتبطة به، بنسبة تقارب 3.6% بين 2025 و2026، ما يعكس ضغطا متصاعدا على سوق العقار والخدمات الحضرية، في ظل تزايد الطلب الحضري وتفاوت العرض بين المناطق.
أما بخصوص التوقعات المستقبلية، فتجمع المؤسسات المالية الدولية على أن المغرب سيحافظ على استقرار نسبي في معدلات التضخم خلال 2026، مع توقعات تتراوح بين 0.8% حسب البنك المركزي المغربي، و2.4% حسب تقديرات البنك الدولي، على أن يستقر التضخم حول حدود 2% في أفق 2027 وفق صندوق النقد الدولي. وتجمع هذه التقديرات على أن السياسة النقدية تظل محافظة وفعالة في التحكم في الصدمات السعرية.
ويخلص التقرير إلى أن بنية الاستهلاك في المغرب تعرف ازدواجية واضحة، حيث تبقى المواد الأساسية في متناول فئات واسعة من المواطنين بأسعار مستقرة نسبيا، في حين ترتفع كلفة المنتجات الفاخرة والخدمات السياحية والمستوردة بشكل ملحوظ، خصوصا في المدن الكبرى والمناطق السياحية.
الظاهر أن تقرير 2026 يقدم صورة اقتصاد يسير نحو استقرار تدريجي في التضخم، لكنه يظل تحت تأثير ضغوط قوية من الطاقة والمواد الطازجة وتفاوتات الأسعار بين الجهات.
وهو ما يجعل إدارة الميزانية الأسرية وترشيد الاستهلاك وتطور السياسات العمومية عناصر حاسمة لضمان توازن اجتماعي واقتصادي أكثر استدامة في المرحلة المقبلة.

التعاليق (0)