قبل المواجهة المرتقبة بين شبيبة القبائل الجزائرية والجيش الملكي المغربي في دوري أبطال أفريقيا، فجّر أحد المحللين عبر قناة جزائرية معتمدة رسميًا جدلًا واسعًا، بعدما دعا صراحة إلى الانسحاب من المباراة في حال لم تأتِ قرارات الحكم “على المقاس”.
التصريح لم يكن مجرد رأي عابر، بل حمل تحريضًا واضحًا وغير مسبوق، استُحضر فيه ما وقع في نهائي كأس إفريقيا الأخيرة كمثال يُحتذى به، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يتم الترويج لمنطق الانسحاب والفوضى بدل الاحتكام لقواعد المنافسة؟.
الخطير في هذا الخطاب ليس فقط الدعوة إلى الانسحاب، بل محاولة شرعنته أخلاقيًا ورياضيًا. حين يتم تقديم “الانسحاب عند الاعتراض على التحكيم” كخيار مشروع، فإننا نكون أمام انقلاب صريح على قوانين الكاف والفيفا، التي تُجرّم هذا السلوك وتعتبره خرقًا واضحًا لروح اللعبة.
الأكثر إثارة للقلق هو استحضار ما حدث في نهائي كأس إفريقيا الأخيرة وتقديمه كـ”نموذج ناجح”، في تجاهل تام لحجم الجدل والعواقب القانونية التي ما زالت تلك المباراة تثيرها. هذا التوظيف الانتقائي للأحداث لا يهدف إلى التحليل، بل إلى تزييف الوعي الجماهيري، وكأن الفوضى أصبحت بطولة، والعصيان الرياضي شجاعة.
كما أن صدور هذه التصريحات من قناة مرخصة رسميًا يمنحها وزنًا أخطر، لأنها لا تبقى في دائرة الرأي الفردي، بل تتحول إلى رسالة جماعية مشحونة تُبث للجمهور قبل المباراة. في هذه النقطة تحديدًا، يصبح الأمر مساسًا مباشرًا بنزاهة المنافسة، وضغطًا غير مقبول على طاقم التحكيم، الذي يُوضع مسبقًا تحت تهديد “التمرد” إن لم تُرضِ قراراته طرفًا بعينه.
من زاوية مغربية، يبدو هذا الخطاب اعترافًا ضمنيًا بقوة الجيش الملكي داخل الملعب وخارجه. فالأندية الواثقة من جاهزيتها لا تبحث عن مخارج إدارية أو سيناريوهات انسحاب، بل تراهن على المستطيل الأخضر. أما محاولة خلق أجواء مشحونة قبل صافرة البداية، فهي سلوك يسيء أولًا لكرة القدم الإفريقية، قبل أن يسيء لسمعة من يروّج له.
إن كرة القدم الإفريقية تقف اليوم أمام اختبار حقيقي. إما ترسيخ منطق القانون والمؤسسات، أو فتح الباب أمام “قانون الغاب” حيث ينسحب من يشاء ويحتج من يشاء متى لم تعجبه صافرة الحكم. الصمت عن هذا النوع من التحريض العلني ليس حيادًا، بل تواطؤًا غير مباشر مع الفوضى.
نزاهة التحكيم، وهيبة المؤسسات الرياضية، واحترام المنافس داخل الملعب، تظل خطوطًا حمراء لا تقبل التأويل. والكرة، كما أرادتها الكاف والفيفا، يجب أن تبقى وسيلة للتقارب والتنافس الشريف، لا أداة لزرع التوترات وتصدير الأزمات خارج المستطيل الأخضر.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)