لم يعد الذكاء الاصطناعي مفهوماً نظرياً أو ترفاً تقنياً في المغرب، بل تحول إلى رهان استراتيجي يلامس قطاعات الإنتاج والقرار العمومي. ومع تسارع التحول الرقمي، تتشكل ملامح طموح وطني يرغب في وضع المملكة ضمن الدول الرائدة قارياً، غير أن الطريق لا يخلو من فجوات بنيوية وتحديات تنظيمية قد تبطئ هذا المسار. بين الإنجازات الملموسة والاختلالات الصامتة، يفرض السؤال نفسه: هل يسير المغرب بثبات نحو السيادة الرقمية أم ما زال في مرحلة التجارب المحدودة؟
من المختبر إلى القطاعات الحيوية
خلال سنوات قليلة، انتقل النقاش حول الذكاء الاصطناعي من الأوساط الأكاديمية إلى صلب الاقتصاد الحقيقي. اليوم، تتجه تطبيقاته نحو الفلاحة الذكية لتحسين المردودية وتدبير الموارد المائية، كما تجد طريقها إلى المصانع في طنجة والقنيطرة حيث تُستعمل الخوارزميات لتحسين سلاسل الإنتاج وتقليص الكلفة ورفع الجودة.
غير أن الوعي المجتمعي لا يزال متذبذباً؛ فبينما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات ترفيهية أو تطبيقات يومية بسيطة، تدرك المؤسسات الكبرى أنه أداة استراتيجية لإعادة تشكيل طرق العمل واتخاذ القرار.
ابن جرير… منصة الريادة الإفريقية
أبرز تجليات الطموح المغربي يتجسد في مدينة ابن جرير، التي تحولت إلى قطب تكنولوجي متقدم بفضل مبادرات جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية. داخل هذا الفضاء البحثي، يبرز مركز AI Movement الذي يحتضن واحداً من أقوى الحواسيب الفائقة في إفريقيا، ما يضع المغرب في موقع المختبر الإقليمي لتطوير حلول ذكاء اصطناعي موجهة لحاجيات القارة.
هذا الاستثمار في البنية التحتية المتقدمة يعكس رؤية مؤسساتية واضحة: الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتكييفها مع الخصوصية المحلية.
فجوة رقمية تقلص أثر الإنجازات
رغم هذه الريادة، يظل أثر الذكاء الاصطناعي محدوداً خارج الدوائر التقنية الكبرى. فالمقاولات المتوسطة والصغيرة، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني، لا تزال بعيدة عن الاستفادة من هذه الثورة، إما بسبب ضعف التمويل أو غياب الخبرة أو تعقيدات المساطر الإدارية.
النتيجة أن التحول الرقمي يتحقق بسرعتين: سرعة للشركات الكبرى والمؤسسات المتقدمة، وبطء واضح لباقي النسيج الاقتصادي، وهو ما قد يوسع فجوة التنافسية بدل ردمها.
هجرة الكفاءات وتحدي السيادة الرقمية
التحدي الآخر يتمثل في نزيف الكفاءات. فالمغرب ينجح سنوياً في تكوين مهندسين وخبراء بمستوى عالمي، لكن جزءاً مهماً منهم يختار العمل في الخارج بحثاً عن بيئة أكثر جذباً وفرص بحث وتمويل أفضل. بهذا المعنى، يتحول البلد إلى “مشتل للمواهب” يصدر خبرته بدل استثمارها داخلياً.
كما أن بطء مواكبة الترسانة القانونية لقضايا أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات الشخصية يضعف ثقة المستثمرين ويؤخر بناء منظومة رقمية متكاملة، وهو عنصر أساسي لأي مشروع سيادة تكنولوجية.
نحو استراتيجية شاملة لا تترك أحداً خلف الركب
المستقبل يفرض مقاربة أعمق من مجرد شراء المعدات أو إطلاق مراكز بحث. المطلوب هو تعميم الثقافة الرقمية منذ المدرسة، وتسهيل ولوج الشركات الناشئة إلى التمويل، وتبسيط المساطر، وبناء جسور حقيقية بين الجامعة والمقاولة.
فالذكاء الاصطناعي ليس سباقاً تقنياً فقط، بل مشروع تنموي متكامل. قيمته الحقيقية تقاس بقدرته على تحسين حياة المواطن، من الفلاح في القرية إلى المقاول الصغير في المدينة، لا بعدد الخوادم أو قوة الحواسيب.
المغرب يمتلك اليوم الأسس ليكون فاعلاً إفريقياً بارزاً في مجال الذكاء الاصطناعي، لكن تحويل هذا الطموح إلى واقع شامل يتطلب معالجة الاختلالات بنفس الجدية التي رافقت بناء البنية التحتية. بين الريادة والفجوة، يبقى الرهان الحقيقي هو جعل التكنولوجيا أداة للعدالة التنموية لا امتيازاً لنخبة محدودة.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)