بينما تتسبب التساقطات القوية في فيضانات تغمر مساحات فلاحية واسعة بالشمال، تعاني مناطق أخرى من المغرب من جفاف حاد ونقص متزايد في الموارد المائية. هذا التناقض الحاد في توزيع المياه داخل البلد نفسه أعاد النقاش حول حل استراتيجي طالما طُرح من طرف الخبراء: نقل فائض المياه من الأحواض الغنية إلى المناطق القاحلة عبر مشاريع ربط مائي كبرى، لضمان عدالة مجالية وتحقيق الأمن المائي والغذائي ل “المغرب”.
الشمال.. وفرة مائية تضيع في البحر
تشهد مناطق اللوكوس والغرب وبلقصيري والخنيشات خلال المواسم المطيرة ارتفاعاً كبيراً في منسوب الأودية والسدود، ما يؤدي إلى فيضانات متكررة تُلحق أضراراً بالأراضي الزراعية والبنيات التحتية.
وفي كثير من الحالات، تتدفق ملايين الأمتار المكعبة من المياه نحو البحر دون استغلال فعلي، رغم أنها تمثل مورداً استراتيجياً كان يمكن تخزينه أو توجيهه لمناطق أخرى تعاني خصاصاً مائياً حاداً.
هذه الوضعية تعني خسارة مزدوجة: أضرار اقتصادية بسبب الفيضانات من جهة، وضياع موارد مائية ثمينة من جهة أخرى.
الجنوب والوسط.. عطش يهدد الفلاحة والاستقرار
في المقابل، تواجه مناطق الرحامنة والحوز والجنوب الشرقي وتافيلالت ضغطاً مائياً متزايداً بفعل توالي سنوات الجفاف وتراجع الفرشات الجوفية.
الآبار تجف تدريجياً، وتكاليف السقي ترتفع، فيما أصبحت زراعات أساسية مثل النخيل والحبوب مهددة بالتراجع.
هذا الواقع لا يؤثر فقط على الإنتاج الفلاحي، بل ينعكس اجتماعياً أيضاً من خلال تسارع الهجرة القروية وتراجع النشاط الاقتصادي المحلي.
نقل المياه بين الأحواض.. من فكرة إلى خيار استراتيجي
أمام هذا التفاوت، يبرز مشروع نقل المياه بين الأحواض المائية كحل عملي يقوم على تحويل فائض السدود الشمالية إلى المناطق القاحلة عبر قنوات أو أنابيب كبرى.
الهدف هو استغلال الموارد الوطنية بشكل متوازن، بدل تركها تضيع في البحر أو الاعتماد المفرط على المياه الجوفية.
مثل هذه المشاريع يمكن أن تحقق عدة مكاسب في آن واحد:
تقليص مخاطر الفيضانات في الشمال، دعم السقي في المناطق الجافة، وتعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار الإنتاج الفلاحي.
خطوات عملية على أرض الواقع
المغرب شرع فعلياً في هذا التوجه من خلال إنجاز مشاريع ربط مائي بين الأحواض، أبرزها مشروع تحويل المياه بين حوض سبو وأبي رقراق، الذي يهدف إلى تأمين التزود بالماء الصالح للشرب والري لعدد من المدن والجهات.
وتندرج هذه المبادرات ضمن الاستراتيجية الوطنية للماء 2020–2050 التي تسعى إلى تحسين تدبير الموارد المائية وتعزيز مرونة المملكة في مواجهة التغيرات المناخية.
ويرى متتبعون أن توسيع هذه الشبكة مستقبلاً ليشمل أحواضاً أخرى قد يشكل نقلة نوعية في طريقة توزيع المياه على المستوى الوطني.
التحديات التي يجب أخذها بعين الاعتبار
رغم أهمية الفكرة، فإن تنفيذ مشاريع نقل المياه على نطاق واسع يتطلب استثمارات مالية كبيرة، وبنيات تحتية معقدة، إضافة إلى كلفة الطاقة اللازمة لضخ المياه لمسافات طويلة.
كما يستوجب الأمر دراسات بيئية وتقنية دقيقة لضمان الاستدامة وعدم الإضرار بالتوازنات الطبيعية.
لذلك يبقى الحل مرتبطاً بتخطيط طويل الأمد يجمع بين بناء السدود، تحلية مياه البحر، إعادة استعمال المياه العادمة، وربط الأحواض المائية في إطار رؤية شاملة.
المفارقة بين فيضانات الشمال وعطش الجنوب تكشف أن أزمة الماء في المغرب ليست دائماً أزمة ندرة، بل أحياناً أزمة توزيع وتدبير.
ومع تصاعد التغيرات المناخية، يبدو أن نقل المياه بين الأحواض لم يعد خياراً ثانوياً، بل ورشاً استراتيجياً قد يحدد مستقبل الفلاحة والأمن المائي للمملكة خلال العقود المقبلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)