لم تكن كأس إفريقيا التي احتضنها المغرب مجرد بطولة كروية عابرة، بل تحولت، بعد نهايتها، إلى مرآة عاكسة لطرق تعامل المنتخبات والجماهير مع الإقصاء، بين من اختار التقييم الهادئ ونقد الذات، ومن لجأ إلى تحميل المسؤولية لعوامل خارجية.
فيما يلي قراءة تحليلية لبعض أبرز الحالات التي رافقت مراحل خروج منتخبات وازنة من المنافسة.
تونس: هدوء بعد الإقصاء وتقييم داخلي
أُقصي المنتخب التونسي أمام مالي في دور ثمن النهائي بطريقة مؤلمة، بعد ضربة جزاء في اللحظات الأخيرة فرضت وقتًا إضافيًا، قبل الاحتكام إلى ركلات الترجيح.
ورغم قسوة السيناريو، لوحظ أن رد فعل الجماهير التونسية كان في مجمله هادئًا، حيث لم يتم تحميل التحكيم أو التنظيم مسؤولية الإقصاء، ولم يُربط الخروج بعوامل خارجية.
إداريًا، تم اتخاذ قرار إقالة المدرب في إطار تقييم داخلي للأداء، سواء اتُفق مع هذا القرار أو اختلف حوله، لكنه عكس توجهًا نحو معالجة الخلل من الداخل، بعيدًا عن خطاب التبرير، باستثناء أصوات إعلامية محدودة.
الجزائر: جدل واسع ونقاش محتدم بعد الخروج
في دور ربع النهائي، خرج المنتخب الجزائري وسط أجواء مشحونة. وقد رافق الإقصاء جدل كبير، شمل انتقادات حادة للتحكيم والتنظيم، وتداول روايات غير مدعومة بمعطيات رسمية لدى بعض الأطراف الإعلامية والجماهيرية.
ميدانيًا، وبالعودة إلى المعطيات التقنية للمباراة، يتضح أن المنتخب الجزائري واجه منتخبًا نيجيريًا تفوق عليه في مختلف خطوط اللعب، حيث عجز “محاربو الصحراء” عن تهديد مرمى المنافس طوال التسعين دقيقة.
ومع ذلك، طغى خطاب العوامل الخارجية على النقاش العام، بدل التركيز على الأداء الفني والاختيارات التكتيكية.
مصر: انقسام بين نقد الذات ونظرية المؤامرة
في نصف النهائي، أقصي المنتخب المصري أمام السنغال دون تسجيل أي تسديدة مؤثرة على المرمى، مع اعتماد نهج دفاعي مفرط لا ينسجم مع تاريخ منتخب يُعد الأكثر تتويجًا قارياً.
بعد الإقصاء، صدرت تصريحات من المدرب حمّلت المسؤولية لعدة عوامل، من بينها الضغط الجماهيري والتنقل والتنظيم، وهو ما قوبل بتفاعل متباين داخل الشارع المصري.
فبينما انساق جزء من الجماهير والإعلام خلف هذا الخطاب، اختار جزء آخر تحميل المسؤولية للمدرب واختياراته التقنية، في مشهد عكس انقسامًا واضحًا بين تفسيرين للفشل.
المغرب: مرارة الخسارة ونقد الذات رغم الجراح
في النهائي، عاش المنتخب المغربي واحدة من أكثر المباريات درامية في تاريخ نهائيات كأس إفريقيا.
ورغم الجدل الكبير الذي رافق المباراة، خاصة بعد احتساب ضربة جزاء للمغرب، أكّد الاتحاد الإفريقي لكرة القدم لاحقًا سلامة قرارات الحكم، واعتبر إدارته للمباراة سليمة من الناحية التحكيمية.
رد فعل الجمهور المغربي جاء لافتًا؛ إذ ركّزت الغالبية على تضييع ضربة الجزاء الحاسمة، وانتقدت اختيارات المدرب وطريقة تدبيره للنهائي، بدل الانسياق الكامل خلف خطاب المؤامرة.
بل إن مشاهد بقاء جزء من الجماهير في المدرجات والتصفيق للمنتخب المتوج خلال مراسيم التتويج عكست مستوى من الوعي والرقي الرياضي.
وبطبيعة الحال، لم يخلُ المشهد من أصوات تبنّت تفسيرات خارجية، وهي ظاهرة موجودة في كل الدول، لكنها لم تكن الصوت الغالب.
ماذا نتعلم من كل ذلك؟
تؤكد هذه الحالات أن أول خطوة نحو النجاح بعد الفشل هي القدرة على تقييم النتائج بموضوعية، وتشخيص مكامن الخلل بشكل دقيق، بعيدًا عن الانفعال وردود الفعل العاطفية.
فالثقافة الرياضية السليمة تقوم على:
- نقد الذات قبل البحث عن شماعات خارجية
- تحليل الأداء الفني والتكتيكي
- تحديد المسؤوليات بوضوح
- التعلم من الأخطاء بدل إنكارها
أما تعليق الإخفاق على التحكيم أو التنظيم أو “المؤامرات”، فهو خطاب لا يساعد على التطور، وغالبًا ما يُخفي مشاكل أعمق داخل المنظومة الرياضية.
تجربة مغربية متكررة
ليست هذه المرة الأولى التي يختار فيها الجمهور المغربي نقد الذات بدل التبرير. فقد حدث الأمر بعد مباراة بنين في نسخة 2019 من كأس إفريقيا، وتكرر أمام جنوب إفريقيا في 2024، وهو سلوك مرشح للتكرار مستقبلاً، لأن كرة القدم، في نهاية المطاف، تُحسم بالأداء داخل الملعب قبل أي شيء آخر.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)