في مشهد سياسي لم يعتد عليه المتابع للعلاقات المغربية الجزائرية، أطل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من تحت قبة البرلمان ليلقي خطاباً “استثنائياً” بكل المقاييس. ليس الاستثناء هنا فيما قيل، بل في تلك الفراغات التي تركها الخطاب عمداً؛ حيث غاب اسم “المغرب” تماماً، واختفت “قضية الصحراء” من معجم الرئيس، وهي التي لطالما كانت “بهارات” لا يكتمل أي خطاب رسمي جزائري بدونها.
لغة مغايرة.. “الشر” الذي لم يعد يأتي من الجوار
لطالما اتسمت خرجات الرئيس تبون بنبرة هجومية، تُقحم التوتر مع الرباط في سياقات قد لا تستدعي ذلك، لكنه هذه المرة بدا وكأنه يرتدي ثوباً دبلوماسياً مغايراً. حين تحدث عن سياسة الجوار، وجه البوصلة نحو تونس بإسهاب، لكن الجملة التي استوقفت المحللين كانت قوله: “إذا لم يأتِ من جوار الجزائر الخير، فلن يأتِي منه الشر أبداً”.
هذه العبارة، بتركيبتها الهادئة، تطرح علامات استفهام كبرى: هل هي محاولة لتبريد الجبهات المشتعلة؟ أم أنها اعتراف ضمني بفشل سياسة “التصعيد اللفظي” التي لم تجد صدى في الرباط، التي انتهجت لسنوات سياسة “ضبط النفس” والرد الدبلوماسي الهادئ؟
ما وراء “الصمت”: تكتيك ظرفي أم مراجعة شاملة؟
تغييب قضية الصحراء المغربية عن خطاب برلماني بهذا الثقل لا يمكن اعتباره هفوة أو نسياناً، ففي العرف السياسي، الصمت هو “موقف” بحد ذاته. ويمكن قراءة هذا التحول من زوايا متعددة:
- أولاً: إعادة ترتيب البيت الداخلي: قد يكون النظام الجزائري قد أدرك أن المبالغة في تصدير الأزمات نحو الجوار لم تعد تؤتي أكلها داخلياً، وأن الشارع الجزائري بات يبحث عن إنجازات اقتصادية ملموسة بدلاً من شعارات سياسية مستهلكة.
- ثانياً: العزلة الإقليمية والدولية: مع توالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، ونجاح الدبلوماسية المغربية في كسب نقاط استراتيجية (آخرها الموقف الفرنسي والإسباني)، ربما شعر صانع القرار في الجزائر أن الاستمرار في نفس الخطاب الهجومي يكرس عزلة البلاد ويجعلها تبدو كطرف مغرد خارج السرب الدولي.
- ثالثاً: الضغوط الدولية: لا يمكن عزل هذا الخطاب عن سياقات دولية دقيقة تفرض على دول المنطقة التزام الهدوء لضمان استقرار إمدادات الطاقة والأمن الإقليمي، خاصة في ظل التوترات التي تشهدها منطقة الساحل.
فلسطين.. الواجهة البديلة
الملاحظ أيضاً أن الخطاب حاول استعادة “الشرعية القومية” من خلال التركيز الحصري على القضية الفلسطينية كأولوية قصوى للسياسة الخارجية. هذا التركيز يمنح النظام الجزائري مخرجاً أخلاقياً أمام الرأي العام، حيث يتم استبدال “العداء المفتعل” مع الجار، بـ “التضامن المبدئي” مع قضية تجمع عليها الشعوب، وهي محاولة ذكية لتغيير قواعد الاشتباك الإعلامي.
هل نحن أمام ربيع دبلوماسي أم مجرد استراحة محارب؟
يبقى السؤال الذي يشغل بال القارئ المغربي والمراقب السياسي: هل هذا التحول في خطاب تبون يعكس مراجعة حقيقية لدوائر القرار في الجزائر؟ أم هو مجرد “تكتيك صمت” مؤقت تفرضه حسابات المرحلة؟
إن التجارب السابقة تجعلنا نحذر من الإفراط في التفاؤل، فالعلاقات الدولية لا تتغير بكلمة في خطاب، بل بالأفعال على أرض الواقع. ومع ذلك، فإن تغييب لغة “الحقد الدفين” وتعويضها بلغة “عدم تصدير الشر” قد يكون خطوة أولى نحو إدراك حقيقة أن الجغرافيا قدر لا يتغير، وأن استنزاف الطاقات في صراعات وهمية لن يخدم سوى ضياع فرص التنمية لشعوب المنطقة.
في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبقى خطاب “تبون” الأخير مادة دسمة للتحليل، وعلامة فارقة قد تؤسس لمرحلة جديدة، أو تظل مجرد “سحابة صيف” في سماء العلاقات المتوترة بين الجارين.

التعاليق (0)