“كريدي فابور” في المغرب: هل البنك يمنحك هدايا أم يشتري مستقبلك؟

فلوس المغرب اقتصاد فلوس المغرب

كثيراً ما نصادف في واجهات المتاجر الكبرى بالمغرب أو في دول أخرى أو عبر إعلانات المواقع التواصل الاجتماعي جملة سحرية تجذب الأنظار: “أجي خد هاد التلفزة أو هاد الأيفون، وخلصنا على عامين بـ 0% فائدة”. للوهلة الأولى، يظن الكثير من المغاربة أنهم عثروا على “همزة” العمر، وأن الكرم نزل فجأة على المؤسسات المالية. لكن الحقيقة في عالم الاقتصاد تقول: “إذا كانت السلعة بالمجان، فاعلم أنك أنت هي السلعة”.

فما هي القصة الحقيقية وراء القروض الاستهلاكية بدون فائدة؟ ولماذا تتسابق الشركات لتقديمها؟

سيكولوجية “التخدير المالي”

عندما ترى ثمن جهاز تلفاز هو 12.000 درهم، يستشعر دماغك ما يسمى بـ “ألم الدفع” (Pain of Paying)، فتتراجع عن الشراء. هنا يأتي دور القرض المجاني كـ “مخدر” لهذا الألم؛ فتقسيم المبلغ إلى 500 درهم شهرياً يجعل الرقم يبدو صغيراً ومقدوراً عليه. البنك هنا لا يبيعك منتجاً، بل يبيعك “وهماً” بالقدرة الشرائية، مما يدفعك لاستهلاك أشياء قد لا تحتاجها فعلياً.

المصاريف الخفية: الفائدة بأسماء أخرى

حتى لو كانت الفائدة (0%)، فإن القرض لا يكون مجانياً بالكامل. هناك دائماً ما يسمى بـ مصاريف الملف (Frais de dossier) وواجبات التأمين التي تُقتطع في البداية. إذا قمت بعملية حسابية بسيطة لإجمالي ما ستدفعه، ستجد أنك دفعت “فائدة مقنعة” بأسماء إدارية. بالإضافة إلى ذلك، يحصل البنك في الغالب على عمولة (Cashback) من البائع الأصلي، مما يعني أن الربح مضمون من جهات متعددة.

فخ “الكريدي اللي كيجيب خوه”

الهدف الأكبر لهذه الشركات ليس الربح من “تلفزة” أو “ثلاجة”، بل هو إدخالك في دوامة الاستهلاك. عندما تتعود على اقتطاع 500 درهم هنا و300 درهم هناك، يتقلص هامش الأمان المالي لديك. وعند وقوع أي طارئ صحي أو أزمة مفاجئة، تجد نفسك مضطراً للجوء إلى “قرض حقيقي” بفائدة مرتفعة لتغطية مصاريفك، لأن راتبك أصبح رهينة لاقتطاعات القروض “المجانية”.

قصة من الواقع: فاتورة الـ 230 مليون سنتيم

في تجربة واقعية لأحد المقاولين الشباب بالمغرب، بدأت رحلته بـ “كريدي فابور” في سن الـ 21. وبعد 20 عاماً من التنقل بين مؤسسات القروض الاستهلاكية، كانت الصدمة عند حساب إجمالي الفوائد التي دفعها طيلة مساره المهني. الرقم كان مخيفاً: 2.3 مليون درهم (230 مليون سنتيم) ذهبت كفوائد بنكية فقط.

هذا المبلغ كان كفيلاً ببناء مشاريع أو تأمين مستقبل عائلته، لكنه ضاع في دوامة “الكريدي” الذي بدأ بقطعة أثاث أو هاتف ذكي.

نصيحة قبل التوقيع:

القرض الاستهلاكي قد يكون مفهوماً في حالات الضرورة القصوى (علاج، تعليم، أو وسيلة نقل للعمل)، لكن استخدامه من أجل “الكماليات” مثل السفر أو تجديد أثاث البيت “بالكريدي” هو استنزاف حقيقي لجهدك ووقتك.

البنك عندما يمنحك قرضاً، فهو لا يسعى لتحقيق رفاهيتك، بل يسعى لضمان وفائك كزبون “يسدد الديون” لسنوات قادمة. قبل أن توقع على عقد القرض القادم، اسأل نفسك: هل أنا من اشتريت التلفاز، أم أن التلفاز هو الذي اشتراني وقيد حريتي المالية لعامين كاملين؟

التعاليق (0)

اترك تعليقاً