أعاد الجدل التحكيمي الذي رافق مباراة المغرب وتنزانيا إلى الواجهة نقاشًا قديمًا يتكرر في كل بطولة كبرى: أين ينتهي الخطأ الواضح، وأين تبدأ المنطقة الرمادية التي يترك فيها القانون هامش التقدير للحكم؟ فبعد نهاية اللقاء، انصبّ تركيز كبير من المتابعين على بعض اللقطات المفصلية، خصوصًا لقطة ماسينا داخل منطقة الجزاء، ولقطة التدخل العنيف على الزلزولي، ثم احتكاك الكعبي مع الحارس، وهي لقطات تستحق قراءة هادئة بعيدًا عن الانفعال.
في لقطة ماسينا التي طالب على إثرها بعض الجمهور بضربة جزاء، تُظهر الإعادات بوضوح أن الاحتكاك كان خفيفًا وطبيعيًا، دون مدّ واضح للرجل أو دفع بالذراع. الأهم من ذلك أن اللاعب التنزاني فقد توازنه قبل الالتحام الكامل، وبدأ السقوط مباشرة بعد الإحساس بالاحتكاك، وهو عنصر أساسي في التقييم التحكيمي.
إضافة إلى ذلك، لم تكن الكرة تحت سيطرة كاملة للمهاجم، ولم يكن في وضعية تسجيل محققة، ما يُسقط عنصر “الفرصة الواضحة للتسجيل” الذي يُشدد عليه القانون في مثل هذه الحالات. لهذا السبب، اعتُبرت اللقطة تقديرية، واحترم حكم الفيديو المساعد قرار الحكم بمواصلة اللعب، لأن الـVAR لا يتدخل إلا في حال وجود خطأ واضح وفاضح، وهو ما لم يتوفر هنا.
هذا لا يعني أن اللقطة خالية من النقاش، بل العكس تمامًا. فهي من النوع الذي لو احتسب فيه الحكم ضربة جزاء من أرضية الملعب، لما كان الـVAR ليتدخل لإلغائها أيضًا، لأن المشهد ليس أبيض أو أسود. وهنا يكمن سبب الجدل: ليست لقطة صفرية، ولا تحمل وضوحًا مطلقًا، بل تقع في المنطقة الرمادية التي تجعل كل قرار قابلًا للدفاع عنه.
في المقابل، بدت لقطة التدخل على الزلزولي أكثر وضوحًا من حيث الخطورة. المدافع التنزاني استخدم قدمين في الإعاقة، وهو سلوك يُصنّف في القانون كتهور قد يرقى إلى بطاقة حمراء مباشرة. تجاهل هذه اللقطة زاد من شعور جزء من الجمهور بعدم التوازن في القرارات، خاصة حين تُقارن بلقطات أقل حدة تم احتساب أخطاء فيها خلال المباراة.

أما لقطة الكعبي مع الحارس، فهي بدورها تحتاج قراءة دقيقة. الحارس خرج من مرماه، تخلّى عن الكرة، ثم ضرب الكعبي بالمرفق. من الناحية التحكيمية، كان يمكن إشهار بطاقة صفراء، لكن الحكم اختار استمرار اللعب لغياب محاولة سانحة للتسجيل، وهو قرار يدخل بدوره في خانة التقدير، وليس الخطأ الجسيم.

الخلاصة أن الجدل لم ينبع من “ظلم تحكيمي صارخ”، بقدر ما نتج عن تراكم لقطات تقديرية، بعضها صُفّر بسرعة، وبعضها استدعى قراءة أعمق. ووفق نص وروح القانون، فإن قرار عدم احتساب ضربة جزاء في لقطة ماسينا يُعد صحيحًا وقابلًا للدفاع عنه تحكيميًا، حتى وإن ظل غير مُقنع عاطفيًا لفئة من الجماهير. كرة القدم الحديثة، خصوصًا مع وجود الـVAR، لم تُلغِ الجدل، بل أعادت تعريفه، وجعلته في كثير من الأحيان نقاشًا حول التقدير، لا حول الخطأ.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)