خلال الساعات الأخيرة، تحوّل فيديو متداول من دوار أحسينات بإقليم القنيطرة إلى حديث واسع بين المغاربة، بعد مزاعم العثور على النفط أثناء حفر بئر مائي. وبين موجة الحماس التي اجتاحت مواقع التواصل، وصوت الخبراء الذي يدعو إلى التريث، يبرز تساؤل أساسي: هل نحن أمام اكتشاف حقيقي أم مجرد قصة تضخّمت رقمياً؟
كيف بدأت قصة نفط القنيطرة؟
تعود تفاصيل الواقعة، وفق الروايات المنتشرة، إلى أشغال حفر بئر مائي نواحي القنيطرة، حيث قيل إن سائلاً يشبه النفط خرج من باطن الأرض. هذا الحدث سرعان ما تحوّل إلى مادة مثيرة بعد تداول مقاطع فيديو تُظهر، بحسب مروّجيها، استعمال تلك المادة في تشغيل مضخة مائية وجرار فلاحي، وسط حضور عدد من سكان المنطقة، بل وحديث عن تدخل عناصر من الدرك الملكي.
هذا التسلسل السريع للأحداث، من واقعة محلية بسيطة إلى “خبر وطني”، يعكس كيف يمكن لمعلومة غير مؤكدة أن تنتشر بسرعة كبيرة، خاصة عندما تكون مرتبطة بموضوع حساس مثل الثروات الطبيعية.
رواية مواقع التواصل.. بين التأكيد والتضخيم
الشخص الذي روّج القصة، حاول تعزيز مصداقيتها من خلال تدوينات متتالية أكد فيها أن المادة المكتشفة “حقيقية”، بل وذهب إلى حد وصفها بأنها “شبه مصفاة”، مشيراً إلى تشغيل محركات بها وانبعاث رائحة قريبة من الغازوال.
غير أن هذه الرواية، رغم انتشارها الواسع، تطرح عدة تساؤلات، لأن ما يبدو منطقياً على مستوى الانطباع الأولي، لا يصمد كثيراً أمام التحليل العلمي والتقني.
رأي الخبراء: لماذا القصة تثير الشكوك؟
في هذا السياق، أوضح الخبير الطاقي الحسين اليماني أن النفط الخام لا يمكن بأي شكل من الأشكال استعماله مباشرة في تشغيل المحركات، لأن ذلك يتطلب المرور عبر عمليات تكرير معقدة داخل منشآت صناعية متخصصة. هذا المعطى وحده كفيل بإضعاف الرواية المتداولة، لكنه ليس العامل الوحيد.
فعلى المستوى العلمي، عملية استخراج النفط ليست بسيطة كما قد يُعتقد، بل هي مسار طويل يبدأ بدراسات جيولوجية وزلزالية دقيقة، ثم يمر عبر حفر عميق قد يصل إلى آلاف الأمتار، قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج. لذلك، فإن الحديث عن العثور على “نفط جاهز للاستعمال” على عمق لا يتجاوز 120 متراً يبدو بعيداً عن الواقع التقني للصناعة النفطية.
كما أن السوائل الزيتية التي قد تظهر أثناء الحفر ليست بالضرورة نفطاً، إذ يمكن أن تكون مجرد مواد قابلة للاشتعال أو تسربات من خزانات أو أنابيب قريبة، وهو احتمال وارد بقوة في مثل هذه الحالات.
أين موقف الجهات الرسمية؟
إلى حدود الآن، لم يصدر أي توضيح رسمي من المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، وهو الجهة المخولة قانونياً لتأكيد أو نفي مثل هذه الاكتشافات. هذا الصمت يعزز فرضية أن الأمر لم يتجاوز بعد مرحلة الإشاعة أو الواقعة غير المؤكدة علمياً.
في مثل هذه الملفات، يظل البلاغ الرسمي هو الفيصل، لأن أي اكتشاف نفطي حقيقي يحمل أبعاداً استراتيجية واقتصادية كبرى، ولا يمكن أن يمر دون إعلان مؤسساتي واضح.
تزامن مثير مع “كذبة أبريل”
لا يمكن تجاهل أن انتشار هذه القصة تزامن مع بداية شهر أبريل، وهي فترة معروفة بانتشار الأخبار الزائفة أو المبالغ فيها. هذا التوقيت بالذات ساهم في رفع منسوب الشك لدى عدد من المتابعين، خاصة مع غياب الأدلة العلمية القاطعة.
هل يمكن فعلاً اكتشاف النفط في المغرب؟
من حيث المبدأ، يظل احتمال وجود النفط في المغرب قائماً، خصوصاً مع استمرار عمليات التنقيب في عدة مناطق. غير أن تأكيد أي اكتشاف من هذا النوع لا يمكن أن يعتمد على فيديوهات أو شهادات متداولة، بل يتطلب مساراً علمياً وتقنياً دقيقاً، ينتهي بإعلان رسمي من الجهات المختصة.
القصة التي شغلت المغاربة خلال الساعات الماضية تبدو، إلى حدود الآن، أقرب إلى إشاعة مبنية على سوء تفسير لمادة زيتية، أكثر من كونها اكتشافاً نفطياً حقيقياً بمنطقة نواحي القنيطرة. وبين الحماس الشعبي والرأي العلمي، تبقى الحقيقة رهينة بما ستكشفه الجهات المختصة، وليس بما تروّجه مواقع التواصل.

التعاليق (0)