رغم أن ملف الصحراء ظل لعقود عنواناً للتوتر بين المغرب والجزائر، فإن الأشهر الأخيرة حملت إشارات دبلوماسية لافتة توحي بأن المنطقة قد تكون على أبواب مرحلة جديدة أقل صداماً وأكثر براغماتية. فبعيداً عن الخطابات المتشنجة، تتشكل ملامح مقاربة هادئة قد تمهد لتسوية سياسية ترعاها الأمم المتحدة وبدعم أمريكي واضح، في وقت يبدو فيه أن جميع الأطراف تبحث عن مخرج “لا غالب فيه ولا مغلوب”.
مفاوضات هادئة وضغط دولي متزايد
المعطيات المتداولة في الكواليس الدبلوماسية تشير إلى أن الجزائر، رغم تمسكها تاريخياً بمواقف متشددة، باتت منخرطة بشكل أو بآخر في مسار تفاوضي غير معلن بالكامل، تحت ضغط دولي متصاعد تقوده واشنطن ويدعمه مجلس الأمن.
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن استمرار الجمود لم يعد خياراً واقعياً، خاصة في ظل تغير موازين القوى الدولية والإقليمية لصالح الحلول العملية بدل الشعارات الأيديولوجية.
المغرب يراهن على «تسوية تحفظ ماء الوجه»
من جهته، اختار المغرب نهجاً دبلوماسياً مرناً يقوم على تخفيف التوتر وتجنب التصعيد الإعلامي، مع التركيز على خطاب ملكي واضح يدعو إلى حل توافقي يحفظ كرامة جميع الأطراف.
هذه المقاربة لا تقوم على منطق الغلبة، بل على بناء توافق إقليمي يسمح بإغلاق الملف نهائياً، مع تثبيت السيادة المغربية وفتح المجال أمام حكم ذاتي موسع كحل سياسي واقعي.
كما أن تجنب الرباط الخوض في سجالات علنية أو تسريبات تفصيلية يعكس رغبة في إنجاح المسار التفاوضي بعيداً عن الضغوط الشعبوية.
مؤشرات تغيّر في الخطاب الجزائري
عدة إشارات لافتة تعزز فرضية التحول الجزائري منها تراجع حضور خطاب “الصحراء الغربية” في التصريحات الرسمية وغياب التصعيد الدبلوماسي في المحافل الإفريقية بالإضافة إلى تحركات لترميم العلاقات مع دول مؤثرة مثل إسبانيا وفرنسا وتوجه نحو لعب دور وساطة في أزمات ليبيا ومالي.
هذه التحركات تعكس رغبة واضحة في تقديم صورة “دولة استقرار” بدل “طرف صراع”، وهو تحول لا ينفصل عن التحضير لتسوية أكبر في المنطقة.
لماذا قد تقبل الجزائر بالتسوية الآن؟
من الناحية الاستراتيجية، هناك عوامل تدفع نحو الواقعية السياسية من بينها كلفة اقتصادية وأمنية عالية لاستمرار النزاع وتغير أولويات القوى الكبرى نحو الاستقرار الطاقي ومحاربة الإرهاب بالإضافة إلى صعوبة الحفاظ على نفس الخطاب القديم أمام تحولات دولية متسارعة وتصاعد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية، بمعنى آخر: الحسابات البراغماتية بدأت تتغلب على الاعتبارات الأيديولوجية.
ماذا يعني ذلك للمغرب؟
بالنسبة للمغرب، الأهم ليس “من ربح ومن خسر”، بل النتائج العملية: استقرار إقليمي أكبر وفتح الحدود والتبادل الاقتصادي مستقبلاً وتوجيه الموارد للتنمية بدل التوتر مع تعزيز الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية وتسريع مشاريع الاستثمار والبنية التحتية في الصحراء.
أي أن التسوية، إن تمت، ستكون مكسباً استراتيجياً طويل المدى للدولة والمواطن معاً.
المشهد الإقليمي اليوم لا يشبه الأمس. لغة التصعيد تراجعت، وحسابات المصالح بدأت تفرض نفسها. وبين الدبلوماسية الهادئة والضغوط الدولية، تلوح فرصة حقيقية لطي واحد من أطول النزاعات في المنطقة.
وإذا استمر هذا المسار، فقد تكون المرحلة المقبلة عنوانها: تسوية سياسية تحفظ السيادة، وتفتح الباب أمام مغرب عربي أكثر استقراراً وتكاملاً.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)