تتسارع التحولات الجيوسياسية في المنطقة بشكل لافت، ومع كل اهتزاز يصيب المحور الإيراني، تتغير معه حسابات أطراف كانت تراهن على دعم طهران السياسي والأمني. في شمال إفريقيا، يبرز النظام العسكري الجزائري وجبهة البوليساريو كأكثر المتأثرين بهذا التحول، خاصة بعد الضربات التي استهدفت قيادات بارزة في إيران وعلى رأسهم علي خامنئي. هذا التطور لا يحمل فقط أبعادًا داخلية لإيران، بل ينعكس مباشرة على ملف الصحراء المغربية ومسار المفاوضات المرتقبة.
تراجع إيران.. سقوط داعم استراتيجي للجزائر
لسنوات طويلة، شكّلت إيران حليفًا غير معلن للنظام العسكري في الجزائر، سواء عبر التنسيق الاستخباراتي أو من خلال دعم غير مباشر لخصوم المغرب. هذا الدعم لم يكن سياسيًا فقط، بل ارتبط أيضًا بخبرات عسكرية وشبكات نفوذ اعتمدت على نموذج “الحروب بالوكالة” الذي تتقنه طهران.
اليوم، ومع تصدع بنية القيادة الإيرانية وتراجع قدرتها على التأثير خارج حدودها، يبدو أن الجزائر فقدت أحد أهم سنداتها الخارجية. فالدولة التي كانت توظف “المظلّة الإيرانية” للضغط في ملفات إقليمية، تجد نفسها أكثر عزلة وأقل قدرة على المناورة.
“الفتوى الاقتصادية” وخطة الالتفاف على الحكم الذاتي
حسب المعطيات المتداولة، شهدت العاصمة الجزائرية لقاءات جمعت مسؤولين عسكريين جزائريين بمبعوثين من الحرس الثوري الإيراني وقيادات من جبهة البوليساريو. خلال هذه الاجتماعات، طُرح ما يمكن وصفه بـ“فتوى سياسية–اقتصادية” هدفها إفراغ أي اتفاق مستقبلي للحكم الذاتي من مضمونه السيادي.
الفكرة المطروحة كانت تقوم على فصل تدبير الاستثمارات الأجنبية داخل المنطقة عن السيادة المغربية، أي خلق كيان اقتصادي شبه مستقل يسمح باستمرار نفوذ البوليساريو كذراع محلية لطهران والجزائر. وقد استُلهم هذا النموذج من تجربة حزب الله في لبنان، حيث يتم الجمع بين العمل السياسي وشبكات اقتصادية موازية للدولة.
غير أن هذه الخطة كانت مشروطة بوجود إيران قوية وقادرة على التمويل والدعم اللوجستي. ومع انهيار هذا الشرط، تبدو “الفتوى” أقرب إلى مشروع غير قابل للتنفيذ.
مفاوضات تحت إشراف واشنطن.. ميزان قوى جديد
المفاوضات المقبلة حول الحكم الذاتي، والتي تحظى بمتابعة مباشرة من الولايات المتحدة الأمريكية، ستجري في سياق مختلف تمامًا عن السنوات السابقة. فالدعم الدولي المتزايد للمقترح المغربي يقابله تراجع واضح لمحور الخصوم.
الجزائر والبوليساريو لم تعودا تدخلان هذه الجولة من موقع القوة، بل من موقع دفاعي، نفسيًا وسياسيًا. فقدان حليف بحجم إيران يضعف أوراق الضغط ويقلص هامش المناورة، ويجعل أي محاولة لفرض شروط خارج الواقعية السياسية ضربًا من المغامرة.
ماذا عن القواعد والنفوذ الميداني؟
تُطرح أيضًا تساؤلات حول مستقبل أي وجود أو تنسيق مرتبط بالحرس الثوري قرب تندوف، وهي المنطقة التي شكلت لسنوات مركزًا خلفيًا لنشاطات البوليساريو. فمع تضاؤل القدرات الإيرانية، يصبح الحفاظ على مثل هذه الشبكات عبئًا أكثر منه مكسبًا.
كما أن محاولات التأثير على ملفات إقليمية أخرى، مثل اتفاقيات الصيد البحري على السواحل القريبة من موريتانيا، قد تفقد زخمها في ظل غياب الغطاء الإيراني.
خلاصة المشهد
الثابت اليوم أن الجزائر والبوليساريو تدخلان مرحلة سياسية جديدة عنوانها العزلة وتراجع الدعم الخارجي. الرهان على محور إقليمي متشدد لم يعد خيارًا مضمون النتائج، بينما يتقدم الحل الواقعي المتمثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الأكثر قبولًا دوليًا.
ما قبل تراجع إيران ليس كما بعده. ومع تغير موازين القوى، تتبدل الحسابات، وتصبح لغة التصلب أقل جدوى من منطق الحلول العملية. المنطقة تتجه نحو إعادة ترتيب أوراقها، ومن لا يواكب التحولات قد يجد نفسه خارج المعادلة بالكامل.
في النهاية، كل المؤشرات تدل على أن المرحلة المقبلة ستفرض واقعية سياسية أكبر على جميع الأطراف. والسؤال لم يعد من يدعم الجزائر والبوليساريو، بل إلى متى يمكنهما الاستمرار في تجاهل واقع دولي يتغير بسرعة لصالح الحلول المستقرة والدائمة.
- تم تحرير هذا المقال من قبل فريق موقع “أنا الخبر” اعتمادًا على مصادر مفتوحة، وتمت مراجعته بعناية لتقديم محتوى دقيق وموثوق.

التعاليق (0)