لسنوات طويلة، لم يكن منتخب المغرب قادرًا على تحقيق نتائج إيجابية، سواء على مستوى الفئات السنية أو المنتخب الأول. بل إن الغياب عن نهائيات كأس إفريقيا في عدة مناسبات، وعدم التأهل لكأس العالم، كانا عنوان مرحلة كاملة عاشت فيها الكرة المغربية حالة من التراجع الواضح.
مرحلة صعبة دون شماعات
في تلك الفترة، ورغم الإحساس المتكرر بوجود أخطاء تحكيمية أو اختلالات داخل المنظومة الكروية الإفريقية، لم يتجه المغرب إلى اتهام باقي الدول أو الدخول في صراعات جانبية، خصوصًا مع منتخبات شمال إفريقيا.
بل على العكس، تم التعامل مع الوضع بقدر كبير من الواقعية، مع الإقرار بأن الخلل الحقيقي يكمن داخليًا، وأن الحل لا يمكن أن يأتي إلا من داخل المنظومة الوطنية نفسها.
قرار استراتيجي غيّر المسار
هذا الوعي قاد إلى إطلاق استراتيجية بعيدة المدى، هدفها الأساسي هو إعادة بناء كرة القدم المغربية على أسس صلبة.
تم التركيز على تطوير البنية التحتية بشكل غير مسبوق، وبناء مراكز تكوين حديثة، والاستثمار في الفئات السنية، إلى جانب تأهيل الأطر التقنية والإدارية، وهو ما وضع الأساس لتحول جذري في مستوى المنتخبات الوطنية.
العمل بصمت… والنتائج تتكلم
اختار المغرب العمل بهدوء، بعيدًا عن الضجيج، مع الاعتماد على الصبر والتدرج لتحقيق الأهداف. ومع مرور الوقت، بدأت النتائج تظهر بشكل متسارع، لتؤكد أن ما تم بناؤه لم يكن ظرفيًا، بل مشروعًا متكاملاً.
هذا العمل جعل من المغرب اليوم واحدًا من أبرز مراكز الثقل الكروي في إفريقيا، ليس فقط من حيث النتائج، بل أيضًا من حيث الجاهزية التنظيمية والبنية التحتية.
حصيلة إنجازات غير مسبوقة
خلال فترة زمنية وجيزة، تمكن المغرب من تحقيق سلسلة من الإنجازات اللافتة على مختلف المستويات.
فقد تألق المنتخب الأول عالميًا بوصوله إلى نصف نهائي كأس العالم والفوز بهذه البطولة على مستوى الشبان، وبرزت المنتخبات السنية بقوة في المنافسات القارية، كما حقق المغرب ألقابًا في كرة القدم داخل القاعة بشكل متتالي، إضافة إلى التتويج بمسابقات قارية وعربية، ما يعكس نجاح الرؤية الشاملة التي تم اعتمادها.
بين البناء والتبرير
التجربة المغربية تبرز فرقًا جوهريًا بين نهجين:
نهج يقوم على العمل والتخطيط والاستثمار طويل المدى، ونهج آخر يعتمد على تبرير الإخفاق وربطه بعوامل خارجية.
فلو اختار المغرب سابقًا الاستمرار في تعليق فشله على شماعات مختلفة، لما تمكن من تحقيق هذا التحول، ولظل عالقًا في نفس الدائرة التي تعيق تطور العديد من المنتخبات.
رسالة غير مباشرة للمنتقدين
ما تقدمه المملكة اليوم لا يحتاج إلى ردود أو جدل، لأن الواقع أصبح يتحدث بلغة النتائج. والدرس الأبرز هنا هو أن تطوير كرة القدم يمر أولًا عبر إصلاح الداخل، بدل الانشغال بتفسير النجاحات الخارجية أو التقليل منها.
فالتركيز على البناء هو الطريق الوحيد للحاق بركب التطور وتحقيق نتائج حقيقية على المدى الطويل.
رحلة المملكة من الإخفاق إلى الريادة لم تكن سهلة، لكنها تؤكد أن النجاح ليس صدفة، بل نتيجة عمل عميق واستراتيجية واضحة.
ومع استمرار هذا النهج، يبدو أن كرة القدم المغربية لا تزال تملك هامشًا أكبر للتطور، ما يجعل طموح الوصول إلى العالمية مسارًا مستمرًا وليس محطة نهائية.

التعاليق (0)