لم يعد النزاع بين المغرب والسنغال حول لقب كأس أمم أفريقيا 2025 مجرد ملف رياضي أو قانوني عادي، بل تحول تدريجيًا إلى صراع مفتوح على مستوى الصورة والتأثير، حيث باتت المعركة تُخاض في الإعلام بقدر ما تُخاض داخل الهيئات القضائية الرياضية.
قرار حاسم… ومعركة لم تنتهِ
قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم بمنح الفوز للمغرب بنتيجة 3-0 على الطاولة كان يفترض أن يضع حدًا لهذا الجدل، خصوصًا أنه يستند إلى مسطرة قانونية واضحة. غير أن التطورات التي تلت هذا القرار أظهرت أن الطرف السنغالي لم يتعامل مع النتيجة كخسارة نهائية، بل كبداية لمرحلة جديدة من المواجهة، عنوانها الأبرز نقل الصراع إلى خارج الإطار الرياضي التقليدي.
تقرير يكشف التحرك من باريس
في هذا السياق، كشف تقرير نشره موقع Africa Intelligence بتاريخ 1 أبريل 2026 معطيات لافتة، أبرزها أن الاتحاد السنغالي لكرة القدم لم يكتفِ باللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي، بل اختار بالتوازي التعاقد مع وكالة علاقات عامة في باريس متخصصة في إدارة الأزمات الإعلامية وصناعة التأثير.
هذا التحرك يعكس بوضوح أن المعركة لم تعد مقتصرة على تقديم دفوع قانونية، بل أصبحت رهينة معادلة أخرى تقوم على كسب التعاطف الدولي وتوجيه النقاش العمومي. فبدل انتظار حكم الهيئات المختصة، يجري العمل على بناء رواية بديلة تُقدم للرأي العام، في محاولة لخلق ضغط غير مباشر قد يؤثر على مسار القضية.
المغرب يختار الهدوء… والقانون
في المقابل، اختار المغرب نهجًا مختلفًا يتسم بالهدوء والتركيز، حيث اكتفى بتكليف فريق قانوني متخصص للدفاع عن موقفه داخل المؤسسات المختصة، دون الانخراط في أي تصعيد إعلامي أو محاولة لتوجيه الرأي العام.
هذا الاختيار ليس تفصيلاً بسيطًا، بل يعكس ثقة في قوة الملف القانوني، ويؤكد أن المقاربة المغربية تقوم على مبدأ أساسي: ترك الحسم للمؤسسات، بدل تحويل القضية إلى معركة تأثير وصورة.
من نزاع رياضي إلى “حرب سرديات”
ما يكشفه هذا المشهد هو تحول النزاع من خلاف رياضي إلى ما يمكن وصفه بـ“حرب سرديات”، حيث تحاول كل جهة فرض روايتها الخاصة. غير أن اللجوء إلى وكالات متخصصة في التأثير الإعلامي، خصوصًا في عاصمة مثل باريس، يعطي انطباعًا واضحًا بأن الرهان لم يعد فقط على القانون، بل على إعادة تشكيل إدراك الجمهور للوقائع.
هذا النوع من الاستراتيجيات غالبًا ما يُستخدم عندما يصبح كسب المعركة القانونية معقدًا، فيتم التعويض عبر محاولة تحقيق تفوق إعلامي يخلق نوعًا من “النصر الرمزي”.
لماذا يلجأ الخصم للإعلام؟
قراءة هذا التحرك في سياقه العام توحي بأن اللجوء المكثف للإعلام ليس اعتباطيًا، بل يرتبط بمحاولة امتصاص وقع خسارة صعبة، أو إعادة التوازن في معركة يبدو أن ميزانها القانوني لا يميل في الاتجاه المطلوب. وهنا تتحول وسائل الإعلام إلى أداة ضغط، ليس بالضرورة لتغيير الحكم، ولكن للتأثير في محيطه العام.
المعطيات الحالية تشير بوضوح إلى أن المغرب حسم الملف قانونيًا داخل CAF، بينما اختارت السنغال فتح جبهة موازية في الإعلام الدولي. وبين من يراهن على قوة القانون ومن يستثمر في صناعة الصورة، يبقى الفيصل الحقيقي هو ما ستقرره الهيئات المختصة.
وفي النهاية، قد تصنع الحملات الإعلامية ضجيجًا كبيرًا، لكنها لا تُغير الحقائق عندما تكون مدعومة بالوثائق والقانون.

التعاليق (0)