ما حققه المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة في بطولة شمال إفريقيا لم يكن مجرد تتويج عادي، بل كان عرضًا كرويًا متكاملاً أكد أن المغرب يمتلك جيلًا استثنائيًا قادرًا على فرض نفسه قارياً.
أربعة انتصارات في أربع مباريات، وأداء مقنع أمام جميع المنافسين، كلها مؤشرات تعكس عمق العمل القاعدي وجودة التكوين. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن في اللقب بحد ذاته، بل في ما يمكن أن يمثله هذا الجيل لمستقبل المنتخب الأول.
جيل واعد بإمكانات كبيرة… ولكن بشروط
هذا الجيل، الذي يضم أسماء مثل إبراهيم الرباج، إليان حديدي، مروان بن طالب، رامي لوغماني وآدم سودي، أظهر نضجًا كرويًا لافتًا، سواء من حيث الانضباط التكتيكي أو الشخصية داخل الملعب. وقد بدا واضحًا خلال الفوز الأخير على المنتخب الليبي (3-1) أن المجموعة تلعب بثقة وتنظيم، مع قدرة على التحكم في نسق المباريات منذ الدقائق الأولى.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التاريخ القريب يثبت أن العديد من المواهب تضيع في مرحلة الانتقال إلى المستوى العالي، ليس بسبب ضعفها، بل بسبب غياب رؤية واضحة في كيفية إدماجها وتطويرها تدريجيًا.

ضرورة بناء مسار تدريجي نحو المنتخب الأول
الاستثمار الحقيقي في هذا الجيل يبدأ من تجنب التسرع. فالقفز المباشر نحو المنتخب الأول قد يضر أكثر مما ينفع، لذلك يبقى الحل في بناء مسار منطقي يمر عبر منتخبات أقل من 20 و23 سنة، مع الحفاظ على نفس الفلسفة الكروية.
هذا التدرج لا يمنح اللاعبين فقط وقتًا للتطور، بل يسمح أيضًا ببناء انسجام جماعي طويل الأمد، بحيث يصل اللاعب إلى المنتخب المغربي الأول وهو مهيأ تقنيًا وذهنيًا، وليس مجرد موهبة خام.
استمرارية العمل التقني… مفتاح النجاح
النجاح الذي تحقق تحت قيادة المدرب تياغو ليما بيريرا يطرح أهمية الحفاظ على الاستقرار التقني. فالمنتخبات الكبرى لا تبنى فقط بالمواهب، بل بالاستمرارية في أسلوب اللعب والرؤية.
لذلك، من الضروري أن يكون هناك تنسيق دائم بين مختلف الفئات العمرية، وأن يتم إشراك الطاقم التقني للمنتخب الأول في تتبع هذه العناصر عن قرب، حتى يتم إدماجها مستقبلاً بشكل سلس دون صدمات تكتيكية.
الجانب الذهني والاحترافي… العامل الحاسم
إلى جانب التطور التقني، يبقى العامل الذهني أحد أبرز مفاتيح النجاح. فالانتقال من فئة الأشبال إلى عالم الاحتراف يفرض تحديات كبيرة، سواء من حيث الضغط الإعلامي أو اختيارات المسار الكروي.
من هنا، يصبح من الضروري تأطير هؤلاء اللاعبين بشكل جيد، ومواكبتهم في قراراتهم، حتى لا تتحول الموهبة إلى مشروع ضائع بسبب سوء التوجيه أو التسرع.
رهان المستقبل: جيل يمكن أن يصنع الفارق
إذا تم استثمار هذا الجيل بطريقة صحيحة، فإن المنتخب المغربي الأول سيستفيد من مجموعة متجانسة، متعودة على اللعب معًا، وقادرة على تقديم إضافة حقيقية في الاستحقاقات الكبرى المقبلة.
الأمر لا يتعلق فقط بلاعبين موهوبين، بل بنواة مشروع متكامل يمكن أن يضمن الاستمرارية والتنافسية على أعلى مستوى، خاصة مع اقتراب مواعيد كروية مهمة في السنوات القادمة.
تتويج أشبال الأطلس بلقب شمال إفريقيا هو بداية قصة، وليس نهايتها. فالمغرب اليوم أمام فرصة حقيقية لتحويل هذا النجاح إلى مشروع طويل الأمد يخدم المنتخب الأول.
الرهان لم يعد في اكتشاف المواهب، بل في كيفية استثمارها بذكاء… لأن الأجيال المميزة لا تتكرر كثيرًا، لكن حسن تدبيرها هو ما يصنع الفارق الحقيقي.

التعاليق (0)