في زمن اختلطت فيه الوطنية بالمزايدة، وأصبح بعضهم يعتبر نشر الإيجابيات جريمة فكرية، يحق لنا أن نسأل: لماذا يرى البعض وطنه المغرب بعيون الذباب، بينما يراه آخرون بعيون النحل؟
الذباب لا يرى في البستان سوى القاذورات، ولو كان مليئًا بالورود. أما النحل فيجوب المسافات بحثًا عن الرحيق، ويصنع من جمال الطبيعة عسلا نافعًا للناس. وهكذا هي الأوطان؛ هناك من لا يرى فيها إلا العثرات، وهناك من يرى التحديات والإنجازات معًا، فينتقد ليبني لا ليهدم، ويختلف ليُصلح لا ليُخرّب.
لسنا من الذين يدّعون أن المغرب بلا مشاكل. نعرف جيدًا حجم الإكراهات التي تواجه التعليم والصحة والتشغيل والعدالة المجالية. لكننا في الوقت نفسه نرفض منطق العدمية الذي يحاول إقناع الأجيال الجديدة بأن الوطن فشل مطلق، وأن كل شيء مظلم، وأن لا أمل في المستقبل.
لقد عشنا مغرب الأمس ونعيش مغرب اليوم. رأينا الطرقات الترابية تتحول إلى بنى تحتية حديثة، والموانئ الكبرى تُشيّد، والقطار فائق السرعة يدخل التاريخ الإفريقي من بوابة المغرب، والدبلوماسية المغربية تفرض احترامها في المحافل الدولية، والرياضة الوطنية ترفع العلم المغربي في أكبر التظاهرات العالمية. هذه حقائق لا يستطيع إنكارها إلا من قرر أن يعطل عقله أو يبيع ضميره.
المؤسف أن بعض الأصوات لا تعيش إلا على خطاب الكراهية والتيئيس. تتغذى على الأزمات، وتقتات من نشر الإحباط، وتعتبر كل نجاح مؤامرة، وكل تقدم دعاية، وكل إنجاز مجرد صدفة. هؤلاء لا يؤمنون بالوطن أصلاً، بل يؤمنون فقط بسقوطه حتى يثبتوا لأنفسهم أنهم كانوا على حق.
أما نحن، فسنظل منحازين إلى المغرب. سندافع عن مؤسساته وثوابته ووحدته الترابية ومصالحه العليا. سننتقد حين يكون النقد واجبًا، وسنصفق حين يكون التصفيق مستحقًا، لأن الوطنية ليست سبًّا دائمًا ولا مديحًا أعمى، بل موقف أخلاقي ومسؤولية تاريخية.
المغرب ليس جنة على الأرض، لكنه أيضًا ليس الجحيم الذي يحاول البعض تسويقه. إنه وطن يتحرك إلى الأمام، ويحقق التقدم رغم الإكراهات، ويصنع مكانته بين الأمم بقيادة جلالة الملك محمد السادس نصره الله.
وفي النهاية، يبقى الفرق واضحًا بين من يرى الوطن بعيون النحل، فيبحث عن مكامن القوة ليزيدها قوة، ومن يراه بعيون الذباب، فلا يرى إلا ما يوافق أحقاده وأوهامه.
وكما قال الله تعالى: “فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”.
- ✍️ بقلم نجيب الأضادي

التعاليق (0)