جسد تأهل المنتخب المغربي إلى دور الـ16 ملحمة وطنية وحدت قلوب المغاربة من طنجة إلى الكويرة، متجاوزة كل الفوارق في مشهد يعكس قوة الانتماء والاعتزاز بالوطن. هذا الإنجاز الرياضي ليس وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية استراتيجية ملكية جعلت من الاستثمار في الشباب والرياضة ركيزة للتنمية، مما عزز مكانة المغرب كقوة صاعدة عالمياً. لقد أثبتت كرة القدم قدرتها على توحيد الأمة، محولةً حلم الجماهير إلى طموح مشروع لمواصلة كتابة التاريخ والمنافسة على الألقاب العالمية بكل فخر وإرادة.
قدم المنتخب الوطني المغربي واحدة من أجمل الصور التي يمكن أن تصنعها كرة القدم، بعدما انتزع بطاقة العبور إلى دور الـ16 من كأس العالم إثر فوزه المستحق على هولندا، في ليلة لم تكن مجرد انتصار رياضي، بل كانت عرسا وطنيا تجلت فيه أسمى معاني الانتماء والاعتزاز بالوطن.
رأيت الوطن في عيون المغاربة جميعاً. رأيته في ابتسامة الطفل، وفي دموع الشيخ، وفي فرحة الأمهات والآباء، وفي هتافات الشباب التي ملأت الساحات والشوارع. رأيته في رجل القوات المسلحة الملكية، وفي رجل الأمن الوطني، وفي عناصر القوات المساعدة والوقاية المدنية، كما رأيته في كل مغربي ومغربية حمل العلم الأحمر تتوسطه النجمة الخضراء، مردداً بصوت واحد: عاش المغرب.
من طنجة إلى الكويرة، ومن القرى إلى المدن، ومن الجبال إلى السواحل، اختفت كل الاختلافات وتراجعت كل النقاشات، ولم يبق سوى اسم واحد يجمع الجميع: المغرب. فعندما يلعب المنتخب الوطني، يصبح الوطن هو العنوان الوحيد، وتذوب كل الفوارق الاجتماعية والسياسية والفكرية أمام راية واحدة وقلب واحد وأمل واحد.
ولا شك أن هذه الفرحة الوطنية الغامرة شاركتها، بكل اعتزاز، الأسرة الملكية، وعلى رأسها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من الاستثمار في الإنسان، وفي الشباب، وفي الرياضة، خياراً استراتيجياً لبناء مغرب المستقبل. فهذه الانتصارات ليست مجرد نتائج فوق المستطيل الأخضر، بل هي ثمرة رؤية بعيدة المدى جعلت الرياضة رافعة للتنمية، ووسيلة لترسيخ صورة المغرب كقوة صاعدة على مختلف المستويات.
لقد شعر المغاربة، داخل الوطن وخارجه، بفخر لا يوصف. وارتفعت الأعلام المغربية في عواصم العالم، وتعالت الهتافات باسم المغرب في مختلف القارات، بينما تقاسمت جماهير عديدة فرحة هذا الإنجاز، ومن بينها الجماهير المكسيكية التي عبرت عن دعمها وتشجيعها للمنتخب المغربي، في مشهد يؤكد أن كرة القدم أصبحت لغة عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.
لقد أثبت المنتخب المغربي مرة أخرى أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي قوة ناعمة قادرة على بناء الصورة الإيجابية للدول، وتعزيز إشعاعها الدولي، وتقريب الشعوب. وما يحققه المغرب اليوم يعكس نجاح مشروع رياضي متكامل، انطلقت ملامحه منذ سنوات عبر إصلاح البنيات التحتية، وتطوير منظومة التكوين، وإنشاء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي أصبحت نموذجاً قارياً في صناعة المواهب، وأسهمت في تخريج جيل قادر على منافسة كبار المنتخبات العالمية.
إن هذا الإنجاز ليس صدفة، وليس وليد لحظة عابرة، بل هو ثمرة مشروع استراتيجي متكامل يقوده جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، جعل من الرياضة إحدى ركائز التنمية الشاملة، ومن الشباب ثروة وطنية يجب الاستثمار فيها. واليوم يجني المغرب ثمار تلك الرؤية التي جعلته يحظى بثقة المجتمع الدولي لتنظيم كأس العالم 2030، في نسخة تاريخية ستقام لأول مرة بين قارتين، لتؤكد المكانة التي باتت تحتلها المملكة على الساحة الدولية.
وإذا كان التأهل إلى دور الـ16 قد أشعل فرحة المغاربة ووحد قلوبهم خلف منتخبهم، فإن الطموح لا يتوقف عند هذا الحد. فالشعب المغربي، الذي آمن دائماً بقدرات أبنائه، يتطلع إلى مواصلة كتابة التاريخ، وإلى رؤية أسود الأطلس يواصلون رحلة المجد حتى المنافسة على اللقب العالمي.
لقد أثبت المغرب مرة أخرى أن الأمم العظيمة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، بل بما تملكه من إرادة، ووحدة، وإيمان بمستقبلها. وما دام هذا الشعب يجتمع حول وطنه بهذه الروح، فإن الحلم سيظل مشروعاً، وسيظل كأس العالم هدفاً يمكن أن يتحول، يوماً ما، إلى حقيقة يرفعها المغاربة بكل فخر أمام العالم..
- بقلم: نجيب الأضادي

التعاليق (0)